من حصن الشموخ في ولاية منح والتي تبعد عن العاصمة مسقط بحوالي 180 كيلومترا وضع السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان مرتكزات العمل السياسي والتنموي خلال المرحلة المقبلة وفقا لرؤية أخذت في جانب منها ما يحدث في المنطقة العربية، كما أنها في جانبها الآخر حافظت على خصوصية السلطنة وتدرجها في تطوير الرقابة البرلمانية وآليات عمل السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية.

وبدا جميع المدعوين إلى حصن الشموخ في ترقب لما سيلقيه سلطان عمان نظرا لأهمية توقيت الخطاب ولما سبقه من قرارات ومراسيم أصدرها طوال عام 2011 في تجاوب مرن وهادئ مع بعض من المطالب الشعبية وتماهيا مع متطلبات المتغيرات الداخلية والإقليمية.

وجاء خطاب السلطان قابوس أول امس مكملا لسلسلة من القرارات والمراسيم التي وصلت إلى 126 مرسوما خلال العام الجاري وحتى كتابة هذه السطور، وهي في مجملها تحمل صفة الجديد والجدية في معالجة أوجه القصور ان وجدت وفي التعامل مع معوقات التنمية وتوفير فرص العمل وتطوير البيئة القانونية بما يحفز الاستثمار في القطاع العام والخاص ويكفل تحقيق المنشود من التنمية على كافة المستويات.

المراسيم الأكثر حضورا في خطاب السلطان قابوس بن سعيد وفي مناخات الحضور من أسرة مالكة ووزراء وقوات مسلحة ورجال امن وضيوف كانت من نصيب مجلس عمان المؤلف من مجلس الشورى الذي تم اختيار اعضائه عن طريق الانتخاب المباشر على مستوى كل ولايات السلطنة وبإشراف لجنة عليا تتمتع بالاستقلالية برئاسة احد قضاة المحكمة العليا وهي من يحق لها الفصل في الطعون الانتخابية بعد ان كانت وزارة الداخلية هي الجهة المختصة بأداء هذه المهام، ولعل اللافت في الشورى الجديد الاقتراع لاختيار رئيسه والذي تكلل بفوز خالد المعولي كأول رئيس منتخب لمجلس الشورى وهو حاصل على ماجستير العلوم في إدارة الأنظمة من المملكة المتحدة.

ومنح المجلس صلاحيات واسعة فيما يخص مراقبة اداء الوزارات وتقديم طلب لاستجواب الوزراء بطلب من 15 عضوا في الحد الأدنى وإعطاء رأي بعد الاستجواب.

ومن صلاحيات مجلس عمان وفقا للمراسيم السلطانية والذي يضم إلى الشورى ما اصطلح على تسميته بمجلس الدولة ويتم تعيين أعضائه وتتركز صلاحياته في اقتراح القوانين على الحكومة ومناقشة القوانين التي تحال إلى المجلس وتعديلها وإعادتها إلى الحكومة.

وتفسيّر التعديلات التي اشتمل عليها النظام الأساسي للسلطنة وفقا للمرسوم الذي يحمل رقم 99 على 2011 جانبا من أهمية خطاب حصن الشموخ ويفسر مفرداته. فوفقا للتعديلات الجديدة فأنه في حال لم يتفق مجلس العائلة المالكة على اختيار سلطان للبلاد خلال ثلاثة أيام من شغور المنصب يقوم مجلس الدفاع المشترك مع رئيسي مجلس الدولة ومجلس الشورى ورئيس المحكمة العليا وأقدم اثنين من نوابه بتثبيت من أشار به السلطان في رسالته إلى مجلس العائلة.

وتجدر الإشارة هنا إلى إشراك رأسي مجلس الدولة المعين ومجلس الشورى المنتخب إضافة إلى رئيس المحكمة العليا ـ وهم من خارج الأسرة الحاكمة- لأول مرة في ترتيب تثبيت الحكم. وهذا يفسره البعض بأنه تطور نوعي يخدم الاستقرار ويأتي في سياق التطوير الذي أعلن عنه السلطان قابوس بن سعيد في أكثر من مناسبة.

أدوات فاعلة

جاء خطاب سلطان عمان وفقا للمراقبين هنا في مسقط في خضم ترقب واسع إلى مشاركة أكثر فاعلية في مراقبة أداء الوزارات من خلال حزمة القوانين الجديدة التي اشتملت على الكثير من الأدوات الفاعلة في أتجاه المحاسبة على انفاق المال العام من خلال تخويل جهاز الرقابة المالية والإدارية بالعديد من أدوات الأشراف على أوجه الإنفاق من ميزانية الدولة وأعداد تقارير عن ذلك للجهات العليا إضافة إلى التأكيد من خلال التشريع والتصريح على استقلالية القضاء وفصله عن باقي السلطات التزاما بنزاهته وحياديّته وصدقية أحكامه، وتطوير المؤسسات الرقابية والقضائية بما يرسخ دولة المؤسسات خلال الفترة المقبلة.

تحديات كبرى

وخلال خطابه، الذي تجاوز 30 دقيقة، ألمح السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان إلى تأكيد رؤيته إلى المستقبل من خلال الإشارة بأنه «لاريب بأن التحديات كبيرة» حسبما جاء على لسانه بعد حديث مستفيض عن الآمال المعلقة على مجلس عمان في دورته الخامسة وتلميحه إلى انه يتطلع إلى نقلة نوعية في العمل الوطني الذي سيقوم به المجلس في المرحلة المقبلة في ضوء ما أتيح له من صلاحيات موسعة في المجالين التشريعي والرقابي.

مما أفاض على الخطاب مزيدا من الالتزام تجاه ضرورة إحداث تغيير ملموس في الحياة العامة وإيصال رسالة إلى أهل عمان مفادها المضي قدما في ما وعد به السلطان قابوس بداية العام من اتخاذ خطوات واضحة وملموسة في اتجاه استيعاب المرحلة والعمل وفقا لمقتضياتها، ومن احد جوانبها التي تم إنجازها توظيف الآلاف من العاطلين عن العمل خلال الأشهر الماضية وفقا لأمر أصدره السلطان بإيجاد شواغر لـ 50 ألف وظيفة.

إشارة صريحة

في مضامين خطاب سلطان عمان إشارة واضحة وصريحة إلى وجوب «إجراء تقييم شامل للمسيرة التعليمية من أجل الاستفادة من فرص العمل المتاحة في القطاعين العام والخاص» ما يفتح الباب واسعا على هذا الشأن ويؤكد التكهنات بأن المقبل من الأيام سيشهد مراجعة شاملة للتعليم والى المزيد من الاهتمام بهذا الشأن من خلال تعزيز المناهج المتوافقة مع متطلبات سوق العمل في مخرجاتها إضافة إلى رفدها بما يؤكد منهج الحوار ونبذ الغلو والتطرف والتعامل وفقا للمسؤولية المشتركة والتعايش وفقا لمبادئ التسامح التي عرفت بها السلطنة، وبما يضمن «محاضن للتربية والتثقيف تكون سياجا للنشء يحميهم من التردي في مهاوي الأفكار الدخيلة».

وفي إشارة كانت بمثابة توجيه مباشر إلى كل من يهمه الأمر دعا السلطان قابوس وبلغة بالغة الدقة دون تهويل أو تصعيد الى وجوب «سد الثغرات» أمام أي طريق يمكن ان يتسرب منها فساد مطلقا العنان للحكومة بأتخاذ كافة التدابير التي تحول دون حدوثه وبعيدا «عن مجرد الظن والشبهات».

وهذا بدوره يفتح الباب واسعا لما يمكن ان تئول اليه الأمور فيما يخص التعامل مع ملفات اهدار المال العام وما يمكن تصنيفه تحت مسمى «فساد» وفقا لما تضمنته الكلمة، وتأتي هذه الاشارة الموجزة الى حتمية تطوير العمل الرقابي على المال العام في المؤسسات الحكومية ورفده بالمزيد من الصلاحيات، ويأتي هذا في ظل تزايد التكهنات الى احتمالية ان تشهد سلطنة عمان تعديلا وزاريا يتوافق مع التحديات الكبيرة التي اشار اليها السلطان قابوس.

وان كان الخطاب لم يتطرق الى جديد على مستوى علاقات مسقط مع المحيط الاقليمي والعربي والدولي حيث اكد على الثوابت التي عرفت بها سلطنة عمان فان اصداء ايجابية واسعة كانت لكلمة السلطان قابوس على المستوى الداخلي حتى ان بعض وسائل الاعلام اطلقت عليه مسمى الخطاب التاريخي لما حمله من مضامين ركزت على تفعيل ادوار مختلف السلطات خاصة مجلس الشورى اضافة الى دعم التغيير على مستوى الاداء الحكومي وتعزيز لغة الحوار على ما سواها.