تقف قضية الأمن في مقدمة أولويات المواطن المصري منذ اندلاع ثورة 25 يناير وحتى الآن، إلا أن الأخبار المفزعة التي تصاحب حالة الانفلات الأمني واستمرار انتشار السلاح في يد الكثيرين تبقى هي المسيطرة. ووصل الأمر إلى حد ضبط الشرطة العسكرية التابعة للجيش لمنصة صواريخ مضادة للطائرات كانت مهربة من ليبيا، وكذلك ضبط قاذفات خارقة للمدرعات في أحد الكمائن بمحافظة مرسى مطروح وضبط بنادق قناصة بسيارات جيب على الطريق الدائري لمحافظة القاهرة. وتعد الأسلحة الليبية المهربة، والتي تتدفق بكميات كبيرة على حدود مصر الغربية ومنها إلى مختلف أنحاء مصر، أولى حلقات مسلسل تجارة الموت التي تحولت إلى نبت شيطاني يهدد استقرار مصر الداخلي، خاصة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية التي طالما ظلت خلال السنوات السابقة موسماً لرواج تجارة السلاح.
خطورة الوضع
وصرّح مساعد وزير الداخلية لقطاع الأمن العام اللواء أحمد جمال الدين من أرقام مخيفة لأعداد السلاح المسروقة للتعرف على مدى خطورة الأمر وتفاقم تلك الأزمة، حيث كشف مساعد وزير الداخلية لقطاع الأمن العام، عن أن هناك ما يقرب من 10 آلاف قطعة سلاح لاتزال مسروقة من أجهزة الأمن منذ أحداث 28 يناير (جمعة الغضب) على الرغم من مبادرة تسليم السلاح التي أطلقتها وزارة الداخلية والتي أعلنت فيها عن عدم تعرض أي شخص للمساءلة القانونية في حالة تسليم السلاح غير المرخص. ولعل آخر القصص المثيرة لحمل السلاح بالصعيد كانت من نصيب ياسر الحمبولي الملقب بـ «خُط الصعيد الجديد»، والذي يمتلك كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر المتطورة المصنعة بالخارج دفعته لسرقة منطاد سياحي لإرغام الشرطة على إرجاع نجله وانتهت المفاوضات بينه وبين الشرطة على إعادة المنطاد مقابل 150 ألف جنيه. ويؤكد خبراء أمنيون أن الانفلات الأمني بعد ثورة 25 يناير حوّل مدن الصعيد إلى سوق كبيرة للسلاح، حيث يباع في البيوت وفي الشوارع.. خاصة أن السلاح يلعب دوراً رئيسيًّا في إنهاء الخلافات والنزاعات بين القبائل والعائلات؛ نظراً إلى تأثرهم بمورثهم الثقافي (الثأر)، وكذلك من أجل التباهي بين العائلات والحماية من قطاع الطرق والحيوانات الجبلية المفترسة..
فاقتناء السلاح في الصعيد يعد من أهم الموروثات العائلية وغالباً ما يكون مهرباً من السودان وإسرائيل والعراق، وهناك نقاط حصينة لبيعه مثل بعض القرى في محافظة قنا وأخرى في محافظة سوهاج مثل قرية الكشح والتي شهدت أحداثاً طائفية شهيرة، وكذلك مناطق ساحل سليم والغنايم وأبوتيج والبداري في محافظة أسيوط، والغريب أنه توجد جميع أنواع الأسلحة مثل الألماني والرشاشات العراقي والطبنجات البلجيكي والتي يتم تصديرها عبر الدروب الصحراوية وبواسطة الصنادل وخاصة بالقرى المطلة على نهر النيل بمختلف محافظات الصعيد. وبخلاف الصعيد، تعد سيناء سوقاً رائجة لتجارة السلاح في مصر، حيث إنها تعد المحطة الأخيرة لتوصيل السلاح إلى قطاع غزة بعد رحلة طويلة عبر البر من السودان، كما أن مجال السلاح يعتبر تجارة مربحة لأبناء سيناء، وخاصة بعد انهيار قطاع السياحة الذي كان أبناء المنطقة يعتمدون عليه كمصدر رئيسي للرزق وخاصة مدن جنوب سيناء كشرم الشيخ. وتزاد الأمور تعقيداً على المشهد المصري بوجود آلاف قطع السلاح التي تم سرقتها من أقسام الشرطة أثناء الثورة، وفشلت وزارة الداخلية في استعادتها إلى الآن، ما يفسر انتعاش تجارة السلاح خلال الشهور الأخيرة داخل كل من العاصمة القاهرة ومحافظة الجيزة، حيث تنتشر المراكز التجارية الكبرى وأسواق الجملة، التي يقبل عليها التجار وأصحاب المحال لاقتناء السلاح بطرق غير شرعية وذلك لصعوبة إجراءات إصدار سلاح مرخص.
تخوف من البلطجية
قال الخبير الأمني اللواء فادي الحبشي لـ «البيان» أنه رغم وجود عقوبات رادعة في القانون المصري لتجريم حمل السلاح إلا أن حالة السيولة الأمنية التي شهدتها مصر في أعقاب أحداث يناير جعلت لدى المواطن حالة من الفزع لحماية ممتلكاته أو سيارته أو منزله من تعرض البلطجية الذين انتشروا بشكل كبير في الآونة الأخيرة ذلك الهاجس الذي تستغله عصابات تهريب السلاح. وأضاف ان أخطر ما في الأمر هو ما نشر أخيراً عن تهريب أسلحة ثقيلة إلى مصر. واختتم قائلاً الحبشي ان الرهان الآن على وعي المواطن بأهمية تسليم السلاح غير المرخص والتصدي لتلك الظاهرة التي تهدد أمن البلاد والتعاون مع قوات الأمن التي بدورها يجب أن تكثف من حملاتها لضبط أوكار تصنيع الأسلحة المحلية وضبط الأسلحة المهربة.