على الرغم من ان أجواء الاستقبال الوطني الفلسطيني الواسع للأسرى المفرج عنهم بموجب الصفقة التي توصلت إليها حركة حماس مع اسرائيل والتي قضت بالافراج عن اكثر من 1000 اسير فلسطيني مقابل الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليط احدثت مناخاً دافعاً للمضي في خطوات المصالحة بين حركتي حماس وفتح، الا ان اعتبار العديد من المحللين الفلسطينيين ان الصفقة ادت الى رفع رصيد حماس الشعبي، و تتيح لها فتح قنوات حوار مع الغرب خصوصا وانه مما لا شكَّ فيه أن إتمام الصفقة كما هو متفق قد ينقل حماس اذا لم تكن نقلتها بالفعل من حركة «غير مرض عنها عالميًّا بل ومغضوب عليها ايضا»، إلى «معترف بها دوليًّا»، حتى وإن كان بشكل غير رسمي ومن وراء الستار.

وبغض النظر عن مقياس الربح والخسارة في هذه الصفقة التي يعتبر فيها الكل رابح بما فيهم الاحتلال، فان الاخبار والمعلومات الواردة عن طبيعة وحيثيات الصفقة تدفع الى التروي والتفكير جيداً قبل اطلاق الحكم، حيث ان الامور والاحداث تقاس بنتائجها. خصوصا اذا تساءلنا لماذا ابرمت الصفقة الان؟ وما دور اميركا بشأن ذلك؟ وهل يمكن ان نعتبره تلويحا من قبلها واسرائيل بالبديل للسلطة الفلسطينية بعد تحديها اياهم ورفعها طلب عضوية فلسطين الى الامم المتحدة؟ وما موقع الاخوان المسلمين في مصر من كل ذلك؟. وهل هذه الصفقة تلبي طموحات الشعب الفلسطيني، بعد الثمن الباهظ الذي دفعه متمثلا بالحصار والقتل والدمار الذي طال الحجر والشجر قبل الانسان الفلسطيني.

فالصفقة التي نفذ الجزء الاول منها تمت في الـ18 من أكتوبر جاءت نتيجة لعمليَّة «الوهم المتبدد» للمقاومة الفلسطينية عام 2006، إذ نجحت خلالها في أسْر الجندي جلعاد شاليط. وتمخَّض عن العمليَّة مفاوضات غير مباشرة في البداية ثمَّ مباشرة، وبرعاية مصريَّة ومتابعة أميركيَّة وألمانيَّة، لتنجح حماس في النهاية كما تعتقد هي في فرض إرادتها على الجميع وتحصل على مرادها مضافًا إليه «اعتراف شبه رسمي» من الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل ذاتها طالما أنها في النهاية ارتضت بالصفقة.

تفاصيل الصفقة

وبحسب الاتفاق حصلت إسرائيل على جنديها الأسير جلعاد شاليط مقابل الإفراج عن 1027 أسيرًا فلسطينيًّا، ألف رجل و27 امرأة، تضمنت المرحلة الأولى الإفراج عن 477 أسيرًا، وبعد شهرين سيتمّ الإفراج عن 550 أسيرًا ضمن المرحلة الثانية، ومن بين المحررين 110 يعودون إلى الضفة الغربيَّة، ويتم نقل 203 إلى قطاع غزة، وهناك 42 أسيرًا تمّ إبعادهم خارج فلسطين من بينهم امرأة وتمّ نقلهم عبر القاهرة إلى سوريا وقطر وتركيا وتسلَّمت تركيا 11 أسيرا وسوريا 15 وقطر 15، والارن اسيرة واحدة وسيسمح لـ 18 من المبعدين بالعودة إلى ديارهم بعد سنة، ويسمح لـ 55 آخرين بالعودة خلال فترة تتراوح بين 5 و10 سنوات.

كما ان مصادر استخباراتيَّة إسرائيليَّة وأميركيَّة ذكرت أن صفقة الإفراج عن شاليط تشتمل على تفاهمات سريَّة تتضمن نقل مقرّ حركة حماس من دمشق إلى القاهرة وتقاربًا أميركيًّا باتجاه الإخوان المسلمين في مصر. حيث أوضح تقرير نشره موقع «ديبكا» الاسرائيلي، أن الصفقة تضمنت بنودًا سريَّة، تَمَّ الاتفاق عليها بين مصر وحماس والولايات المتحدة الأميركيَّة وإسرائيل، خلال الأيام العشرة التي سبقت إتمام الصفقة، منذ زيارة وزير الدفاع الأميركي، ليون بانيتا، قبل توليه منصبه الحالي لمصر وإسرائيل. ونقل الموقع عن مصادر في واشنطن قولهم: إن صفقة شاليط تأتي كجزء من عمليَّة استراتيجيَّة كبيرة تقودها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، تتضمن إخراج حماس من دمشق، بما يشكِّل ضربة قاسية لنظام الرئيس السوري بشار الأسد وإيران وحزب الله، وعلاقاتهم بالفلسطينيين.

وربطت المصادر الاستخبارية ذاتها بين صفقة شاليط ورغبة واشنطن في تحقيق تقارب مع الإخوان المسلمين في مصر، وأشارت إلى أن وفدًا أميركيًّا التقى الإخوان برئاسة مدير إدارة الشئون الإسرائيليَّة والفلسطينيَّة في مجلس الأمن القومي الأميركي «بريم جي كومار»، -رغم النفي الإخواني المستمرّ لعقد مثل هذه اللقاءات- بما يدل إذا ثبت إتمام هذا اللقاء- على أن المحادثات لم تكن حول الديمقراطيَّة في مصر، وإنما كانت عن تفاصيل صفقة تضمُّ مصر والإخوان وحماس والولايات المتحدة، والتي من بين بنودها الإفراج عن شاليط.

حوار الغرب

وبشأن امكانية ان تمهد الصفقة لفتح حوار بين حركة حماس والغرب قال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي انه «من اجل الافراج عن جلعاد شاليط، كان من الضروري ان يقوم بعض الاشخاص بالتواصل مع حماس. انها اشارة ايجابية». مضيفا «كي تعتبر حماس محاورا، المطلوب اكثر من الافراج عن شاليط. يجب الاعتراف باسرائيل وادانة كل انواع العنف».

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني مخيمر ابو سعدة ان صفقة تبادل الاسرى قد تكون «بداية لفتح قنوات حوار مع المجتمع الغربي مع اميركا واوروبا، كما قد تكون مقدمة للوصول الى الشرعية الدولية التي تبحث عنها حماس». ويرى ايضا ان «المجتمع الغربي بدأ يعيد النظر في حماس، وبدأ يدرك ان اللاعب الاساسي في المنطقة هو حركات الاسلام السياسي وحماس جزء من هذه الحركة».

ويتفق معه في ذلك المحلل السياسي ناجي شراب بقوله «حماس تريد ان تتحول الى حركة اكثر قبولا وشرعية على المستوى الدولي وخصوصا الاوروبي». ويتابع «اطلاق شاليط سيعطي الفرصة لفتح نوافذ كبيرة لحماس على الغرب وهذا احد اهدافها، ويمكن ان ينعكس على سياسة الحركة كأن تظهر مرونة اكثر في خطابها السياسي في المستقبل». بل يذهب شراب الى ان حماس «قد تقبل بمبدأ التفاوض لانها واقعيا مارسته في صفقة التبادل حتى لو كان في الغرف المغلقة».

الاطراف الرابحة

وعندما نتناول امر الربح والخسارة في هذه الصفقة فاننا نجد انها حققت نجاحًا ليس للأسرى المحررين فقط، بل نستطيع يلمس أن الجميع فيها رابحون، بمن فيهم الاحتلال الذي بدا متنازلا عن أكثر من 1000 أسير، مقابل جندي صهيوني واحد. فالرابحون هنا اضافة الى الاسرى المحررين هم مصر التي رعت الصفقة، و«حماس» وأخواتها من الفصائل الفلسطينيَّة صاحبة أسر الجندي الأسير جلعاط شاليط، كما ان الاحتلال نفسه كان رابحًا، بإطلاق سراج جنديِّه الأسير، فهذا الاحتلال لا ينظر كما ينظر المستبدون، وإن كان هو مستبدًّ مع غير أفراده، فهو لا يرعى غضاضة بأن يضحي بإطلاق 1000أو يزيد من سجونه مقابل إطلاق أسير له، أو حتى رفاته، وهو ما بدا من موافقته على إطلاق سراح هذا العدد المستحق من الأسرى الفلسطينيين بسجونه.

شريك اساسي

وقد تكون «حماس» والتي كانت شريكًا أساسيًّا في الصفقة بطريقة غير مباشرة او مباشرة في بعض الاحيان مع الكيان الصهيوني ووسطائه، هي الرابح الأكثر من هذه الصفقة، إذ أنها جاءت في وقت كانت تتزايد فيه شعبيَّة رئيس سلطة رام الله بعد تقديمه لملف الدولة الفلسطينيَّة بمجلس الأمن، علاوة على أن معظم الأسرى المفرج عنهم هم من حماس، وعلى الرغم من أن الصفقة كانت تستبق تقديم ملف الدولة الفلسطينيَّة إلى الأمم المتحدة، إلا أنها جاءت في وقت كانت شعبيَّة أبو مازن في صدارة المشهد، بعد حملة التأييد له برام الله.

رام الله والمشهد

علاوة على ذلك، فإن سلطة رام الله لم تغب عن المشهد، وبدت ترتيبات معها من قبل مصر و«حماس» للاتفاق حول نوعيَّة الأسرى المحسوبين على حركة فتح وأعدادهم، وعلى الرغم من أن حضورها لم يكن قويًّا، إلا أنها كانت موجودة بشكل أو بآخر في صدارة مشهد الصفقة. مصر، من جانبها، كان لها نصيب أيضًا من الربح في هذه الصفقة، إذ أنه بدورها فيها تستعيد مكانتها تجاه أمتها العربيَّة، وعلى الأخص القضيَّة الفلسطينيَّة؛ فالقاهرة لم تنسَ وهي في خضمّ مرارة ما تواجهه من تداعيات لأحداث ثورة 25 يناير، وكان آخرها ما وقع في منطقة مبنى الإذاعة والتليفزيون "ماسبيرو" أن هناك دورًا تاريخيًّا لأرض الكنانة، تجاه دعم القضيَّة الفلسطينيَّة، وحقوقها العادلة.

الصفقة والمصالحة

رغم انه كان لوقع خبر صفقة تبادل الاسرى الاثر الطيب على النفس، على اعتبار ان الافراج عن اي اسير فلسطيني وعربي انجاز هام، اضافة الى ان أجواء الاستقبال الوطني الفلسطيني الواسع للأسرى احدثت مناخاً دافعاً للمضي في خطوات المصالحة بين حركتي حماس وفتح.

حيث وردت انباء بأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبلغ اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أنه سيطرح مقترحاً بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية والمجلس الوطني لمنظمة التحرير في «أقرب وقت ممكن»، على رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل.اضافة الى اعلان «فتح» أن اجتماعين مرتقبين سيعقدان مع «حماس» من اجل مناقشة تنفيذ المصالحة. لكن الاخبار والمعلومات الواردة عن طبيعة وحيثيات الصفقة تدفع الى التروي والتفكير جيداً قبل اطلاق الحكم، حيث ان الامور والاحداث تقاس بنتائجها بمعنى آخر مقدار الربح والخسارة في هذه الصفقة. وبما ان الحكومة الاسرائيلية لا تعرف سوى لغة التطرف في مواقفها وافعالها مع الفلسطينيين في كل النواحي، يستغرب البعض من اقدامها على ابرام الصفقة في هذا التوقيت. ويتساءل اخرون ما هي الاسباب الحقيقية التي تقف وراء ابرام الصفقة؟

اهداف الصفقة

وفي محاولة لمعرفة الحقيقة ودوافع اسرائيل من اجل اقدامها على الصفقة نجد ان اهدافها من وراء الصفقة كان من اهمها تخفيف عزلتها الدولية. والتقليل من شأن الاحتجاجات الداخلية المطالبة بتحسين الوضع المعيشي. و اضعاف وضرب المكاسب التي تحققها القيادة الفلسطينية لنيل العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الامم المتحدة. كما اننا لاننسى حاجة الحكومة الاسرائيلية الى تحقيق مكاسب، خاصة في ظل الانتقادات التي تتعرض لها من الشارع الاسرائيلي والمجتمع الدولي. اضافة الى التعتيم على اضراب الحركة الاسيرة "الامعاء الخاوية". و المساهمة في انجاح المخطط الاميركي للمنطقة، بالموافقة على ان تحظى حركة الاخوان المسلمين بدور سياسي في مصر وسوريا ودول اخرى، على ان لا يتعارض مع المصالح الاميركية-الاسرائيلية.

اهداف خاصة

كذلك حركة حماس كان لها اهدافها الخاصة من وراء الصفقة ومكاسب ترسم لتحقيقها، حيث ازدادت شعبيتها في الشارع الفلسطيني، بعد ان تراجعت شعبيتها بسبب موقفها الغير مفهوم والغير مبرر من الخطوة الفلسطينية بالتوجه الى مجلس الامن لنيل فلسطين العضوية الكاملة. اضافة الى استجابتها لحركة الاخوان المسلمين لاظهارها بصورة معتدلة وانها البديل لملء الفراغ السياسي في ظل الثورات العربية وخاصة في ظل التقارب والمباركة الاميركية لان تكون حركة الاخوان المسلمين لاعبا اساسيا في النظام السياسي القادم، لذلك قامت حركة الاخوان المسلمين بالتخلي عن التقارب مع ايران، وقامت بالتأثير على حماس لابرام صفقة التبادل، والمقابل نقل مكاتب حماس من سوريا الى مصر، تمهيدا لرفع الحصار عن قطاع غزة، وبذلك يبدأ العد العكسي لايجاد قيادة فلسطينية بديلة للقيادة الحالية، حيث انها رفضت الاذعان للضغوط والتهديدات ولا تلبي الشروط الاميركية والاسرائيلية.

شروط اسرائيلية

حركة حماس تحاول تصوير الصفقة بان الحكومة الاسرائيلية قد رضخت لشروطها، ولكن حسب المعلومات وتفاصيل الصفقة فانها تمت وفق الشروط الاسرائيلية، وحماس هي التي تراجعت عن شروطها. واذا اخذنا بعين الاعتبار ما تم ذكره في وسائل الاعلام بان لقاء المبعوث الاميركي مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، حمل في طياته تهديدا للاخير في حالة توجهه الى مجلس الامن، ومضمونه بان الادارة الاميركية اذا تلقت اشارات من حركة حماس بتغيير مواقفها وابدت مرونة، فان تمثيل منظمة التحرير للشعب الفلسطيني سيكون امرا مشكوك به ومحل تساءل. ومن هنا فان الايام القادمة سوف تكشف الحقائق وتوضح الصورة اكثر.