عكرت الخلافات السياسية وإسقاط ست قوائم للعريضة الشعبية، التي يترأسها الهاشمي الحامدي، أمس، على إعلان النتائج النهائية للانتخابات التونسية، التي أفضت إلى فوز كاسح لحركة النهضة الإسلامية، والتي أعلنت عزمها إشهار الحكومة خلال 10 أيام، حيث اندلعت صدامات في مدينة سيدي بوزيد، عاصمة «ثورة الياسمين»، بسبب إسقاط القوائم الست، ما استدعى فرض السلطات حظر تجول ليلي فيها، فيما أعلن الحامدي سحب قوائمه احتجاجاً، في وقت أكد رئيس «النهضة» راشد الغنوشي أن فرض الحجاب فشل.

وقال رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات الحقوقي كمال الجندوبي خلال مؤتمر صحافي عقده الليلة قبل الماضية في تونس العاصمة إن «حركة النهضة الإسلامية فازت بنسبة 41.47 في المئة من إجمالي أصوات الناخبين، ما أهّلها الحصول على 90 مقعداً من أصل 217 مقعداً يتألف منها المجلس الوطني التأسيسي». وأفاد الجندوبي أن «انخراط الناخبين بكل هذه الكثافة يعتبر نجاحاً للعملية الانتخابية وتأكيداً للوعي التام بمسؤوليتهم التاريخية في وضع حجر الاساس للبناء الديمقراطي».

وجاء حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، برئاسة منصف المرزوقي، في المرتبة الثانية وحصل على 13.8 في المئة، أي ما يعادل 30 مقعداً، ثم حزب التكتل من أجل العمل والحريات برئاسة مصطفى بن جعفر الذي حصل على 21 مقعداً، أو 9.68 في المئة. أما المرتبة الرابعة، فاحتلتها العريضة الشعبية للحرية والعدالة والتنمية برئاسة الهاشمي الحامدي التي تمكّنت من حصد 19 مقعداً.

على الرغم من إسقاط ست قوائم انتخابية لها في أبرز معاقلها الانتخابية، منها دائرة سيدي بوزيد التي ينتمي إليها الحامدي. وتوزعت بقية المقاعد على الحزب الديمقراطي التقدمي، 17 مقعداً، أي 7.83 في المئة، والقطب الديمقراطي الحداثي، خمسة مقاعد، أي 2.3 في المئة، وحزب المبادرة، خمسة مقاعد، أي 2.3 في المئة، وحزب آفاق تونس، أربعة مقاعد، أي 1.84 في المئة، وقائمة البديل الثوري، ثلاثة مقاعد، أي 1.32 في المئة.

وحصلت حركة الديمقراطيين الاشتراكيين وحركة الوطنيين الديمقراطيين على مقعدين لكل واحدة منهما، بينما حصلت بقية القوائم على مقعد واحد وهي حزب الأمة الثقافي الوحدوي، وحركة الشعب، والحزب الليبرالي المغاربي، وقائمة المستقل، وقائمة صوت المستقبل، والاتحاد الوطني الحر، والنضال التقدمي، وقائمة النضال الاجتماعي، وحزب العدالة والمساواة، وشمس العريضة، وقائمة من أجل جبهة وطنية تونسية، وحركة الشعب الوحدوية، وقائمة العدالة، وقائمة الوفاء للشهداء.

 

موقف الحامدي

وكردة فعل، أعلن الحامدي سحب قوائمه التي فازت بـ19 مقعداً بعد إعلان الهيئة العليا إلغاء فوز قوائمه في ست دوائر انتخابية «بسبب مخالفات مالية». وقال الحامدي: «انسحب رسمياً من هذه العملية السياسية التي افضت الى إلغاء أصوات عشرات آلاف التونسيين خصوصاً في سيدي بوزيد، الولاية التي فجرت الثورة التونسية».

وأضاف: «لم يعد هناك أي معنى لمشاركة العريضة الشعبية ولن نقدم أي طعون وننسحب من المجلس التأسيسي وأي عضو من العريضة يبقى فيه لا يمثلنا»، مندداً بـ«حملة شرسة والتعتيم التام على العريضة خلال الحملة الانتخابية». وتابع: «اذا أرادوا نعتنا بالشياطين والتجمعيين»، في اشارة الى انصار حزب الرئيس السابق زين العابدين بن علي، «فليكن». وأردف: «تم استبعادنا ظلماً في سيدي بوزيد والقصرين حيث صوت 70 في المئة من الناس لنا». وكانت «العريضة الشعبية» ستحل ثالثة في الانتخابات، لو احتسبت نتائج قوائمها الملغاة، خلف «النهضة» و«المؤتمر».

 

سيدي بوزيد

أما في سيدي بوزيد، مهد الثورة التونسية، فسرعان ما اندلعت اضطرابات عنيفة الليلة قبل الماضية بعيد إعلان الهيئة العليا إسقاط قوائم الحامدي الذي ينتمي إلى محافظة سيدي بوزيد. وأقدم المحتجون على إحراق مقر حركة النهضة، كما أضرموا النار في مقر البلدية وعدد من المؤسسات الحكومية، والاشتباك مع قوات الأمن والجيش التي استخدمت بكثافة القنابل المسيلة للدموع لتفريق المحتجين واطلقت النار في الهواء لتفريقهم، قبل أن تعلن السلطات فرض حظر تجول ليلي في المدينة من السابعة مساء وحتى الخامسة صباحاً اعتباراً من مساء أمس. وأكد شهود عيان أن حالة من التوتر الشديد تسود المدينة، حيث عمد الأهالي إلى اغلاق الطرقات بالإطارات المطاطية المشتعلة والحجارة وبعض السواتر الخشبية الأخرى مرددين شعارات منددة بحركة النهضة وبالهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

 

موقف الغنوشي

بدوره، دعا زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي «كل التونسيين» إلى «نبذ العنف»، مشدداً على ان الحركة «ملتزمة باحترام كافة المعاهدات الدولية». وكشف عن ان تشكيل الحكومة الجديدة سيتم «في غضون عشرة ايام». واتهم الغنوشي ما وصفها بـ«قوى الثورة المضادة» على صلة بالرئيس السابق زين العابدين بن علي بإثارة العنف في سيدي بوزيد. وأضاف أن حزبه «سيواصل هذه الثورة لتحقيق اهدافها في ان تكون تونس حرة ومستقلة ومزدهرة تصان فيها حقوق النساء والرجال والمتدينين وغير المتدينين، لأن تونس للجميع».

موضحاً انه «لن يحاول تغيير اسلوب حياة التونسيين». وأردف ان الحكومة الجديدة «ستضم نساء سواء كن من المحجبات أو غير المحجبات»، مستطرداً ان «كل المحاولات لفرض الحجاب في العالم العربي فشلت». وشدد على ان «الاقتصاد، ستكون له أولوية في مشاورات تشكيل حكومة ائتلافية»، منوهاً الى ان حركته «ملتزمة بصياغة دستور جديد».

 

نتائج وطعون

وتعتبر النتائج المعلنة نهائية ولكنها ليست رسمية، حيث أوضحت الهيئة العليا أنه «طبقاً للفصل 72 من المرسوم عدد 35 لسنة 2011، فإن الطعن في النتائج الأولية للانتخابات أمام الجلسة العامة للمحكمة الإدارية يكون خلال يومين من الإعلان». وأوضح عضو الهيئة العليا رضا الطرخاني أن الإعلان الرسمي عن النتائج النهائية «سيكون بعد أسبوعين على الأقل من الإعلان عن النهائية، لفسح المجال أمام جميع القوائم الراغبة في التقدم بطعون مباشرة بعد 48 ساعة من الإعلان النهائي عن النتائج الأولية». وتوقع الطرخاني «تسجيل عدد هائل من الطعون خصوصاً من قبل القوائم الانتخابية التي فشلت في الاستحقاق».

 

توزيع المقاعد

 

الحزب عدد المقاعد

حركة النهضة 90

المؤتمر من أجل الجمهورية 30

التكتل الديمقراطي 21

قائمة العريضة الشعبية 19

الحزب الديمقراطي التقدمي 17

حزب المبادرة 5

القطب الديمقراطي الحداثي 5

حزب آفاق تونس 5

حزب العمال الشيوعي التونسي 3

مستقلون / أحزاب صغيرة 12

 

معركة غير عقائدية

 

قال رئيس حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية» منصف المرزوقي إن «معركة تونس في المستقبل لن تكون عقائدية أو ايديولوجية بقدر ما ستكون ضد الفقر والإقصاء». وأوضح المرزوقي في حديث مع صحيفة «الشروق» الجزائرية إن «المعركة الحالية في تونس وحتى في الماضي القريب لم تكن إيديولوجية أو عقائدية أو فكرية بقدر ما كانت وعلى مر العصور معركة طاحنة وشرسة ضد الفقر والتخلف والاقصاء والتهميش».

واعتبر أن «الذين منحوا أصواتهم للنهضة أو للمؤتمر أو التكتل أو حتى العريضة، لم يفعلوا ذلك بوازع ديني أو ايديولوجي بقدر ما هم في أشد الحاجة إلى تلبية حاجياتهم اليومية في ظل العزة والكرامة». وقال إن انتخابات المجلس التأسيسي «تعبر عن خريطة سياسية جديدة في تونس، أسقط فيها الشعب الوسط واليسار».

ومنح فرصة تاريخية للنهضة والمؤتمر والتكتل وغيرها من القوائم. «فإن أحسنت ستجازى الخير».

 

مرشحون رئاسيون

تتردد أسماء أربعة مرشحين للرئاسة. وهم زعيم حزب المؤتمر من اجل الجمهورية منصف المرزوقي، يسار قومي، وزعيم حزب التكتل من اجل العمل والحريات مصطفى بن جعفر، يسار مقرب من الحزب الاشتراكي الفرنسي، والباجي قايد السبسي الذي تولى رئاسة الحكومة الانتقالية الاولى منذ فبراير الماضي. ويتردد ايضا اسم احمد المستيري المعارض التاريخي للحبيب بورقيبة والذي كان عضواً في المجلس التأسيسي الاول العام 1956.

40 محجبة

سيتميز المجلس التأسيسي بمشهد جديد وهو احتواؤه على أكثر من 40 «محجبة» ما يعني تحولاً جذرياً في المشهد التونسي الذي كان قبل عام واحد يمنع ارتداء الحجاب في المؤسسات العامة والتعليمية وفي التلفزيون الحكومي. وتسجل المرأة حضورها في المجلس التأسيسي بـ49 عضواً في الاجمال.

وفي حين تتحدث الانباء عن إمكانية ترشيح سعاد عبد الرحيم رئيسة قائمة «النهضة» بدائرة «تونس 2»، وهي سيدة غير محجبة لرئاسة المجلس التأسيسي كبادرة حسن نية من الإسلاميين تجاه المرأة التونسية، من المنتظر ان تعمل حركة النهضة على تخفيف الوطأة على الشارع والخائفين من النموذج الاجتماعي والثقافي الذى ستسعى الى طرحه في المستقبل وكذلك على الغرب الذي يراقب ما يدور في البلاد.

وشغلت عبدالرحيم مناصب في الاتحاد العام للطلبة، وكانت قالت ان الحركة لن تلزمها بإرتداء الحجاب.

على الهامش

 

قوبل إلغاء قوائم «العريضة الشعبية» بتصفيق حار من الحضور في المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات كمال الجندوبي. وانشد بعضهم بيت أبو القاسم الشابي «اذا الشعب يوماً أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر»، قبل ان يدعوهم كمال الجندوبي الى لزوم الهدوء.

بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 77.65 في المئة من الناخبين المسجلين إرادياً، أي 4.1 ملايين تونسي، و14.2 في المئة بين بقية الناخبين.