من المفارقات التي يظهرها المناخ المطالب بالإصلاح في الأردن، هو استشهاد المعارضة بتصريحات وخطابات العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في الجدل الدائر بين دعاة الإصلاح من جهة، ومن باتوا يوصفون بانهم قوى الشد العكس، من المسؤولين والشخصيات الرسمية أو القريبة من دوائر صنع القرار.
بالنسبة إلى بعض تيارات المعارضة، فإن التقدمية التي تظهر في خطاب رأس الدولة لا تجد لها آذانا صاغية عند الكثير من قوى الشد العكسي التي ترى في بقاء الحال على ما هو عليه محافظة على مصالحها ومكاسبها السياسية والاقتصادية بل والادارية. وهو ما أشار إليه حتى الملك نفسه اكثر من مرة.
الملك في آخر خطاب له قبل يومين ألقاه خلال افتتاحه الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة السادسة عشرة أكد أن الهدف النهائي من عملية الإصلاح السياسي الجارية في الأردن هو الوصول إلى حكومات نيابية. وقال إن «الأولوية اليوم هي الإصلاح السياسي، وان خريطة الطريق قطعت شوطا كبيرا مع إنجاز التعديلات الدستورية وعدد من القوانين».
مؤكداً على ان الهدف النهائي من عملية الإصلاح السياسي هو الوصول إلى حكومات نيابية، ولكن حتى تنضج بنية الأحزاب ويكون لها وزن سياسي فاعل داخل البرلمان لا بد من تكريس مبدأ التشاور في تشكيل الحكومات، حتى يتشكل لدى المواطن يقيـن بأنه يشارك من خلال البرلمان في تشكيل الحكومات ومراقبتها ومحاسبتها.
على هامش هذه الدعوة الملكية يقول أمين عام الحزب الوطني الدستوري د. احمد الشناق إن الأردن دخل إجرائياً العملية الإصلاحية منذ شهور، إلا أنه نبّه ان الإصلاح سيتطلب وقتا أطول مما هو منتظر، وخاصة فيما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي.
ما فعله الملك، بالنسبة إلى الشناق، هو وضع بوصلة للإصلاح استجابة لمطالبات شعبية داخلية وأخرى فرضتها شعوب الربيع العربي. ونوّه ان التحولات العميقة الجارية في المنطقة ستفرض شكلا جديدا للنظم السياسية التي ستكون عنوان المرحلة المقبلة بان تكون السلطة السياسية انعكاسا للارادة الشعبية.
إعادة إنتاج الدولة
ويصف د. الشناق ما يجري في بلاده بالقول اننا نشهد اعادة انتاج سياسي لشكل الدولة الحديثة بإيجاد آليات وأدوات حديثة لممارسة السلطة سلطة الشعب ومجتمعاته المدنية وهو ما يتطلب بالضرورة إعادة بناء للدولة في كافة مفاصلها.
وحول التحديات التي تواجه صانع القرار والشعب والمعارضة معا يقول: هناك قوى تقليدية اعتادت ان تكون في السلطة او قريبة منها عبر فرض وجودها من خلال التعيين لا الانتخاب، وهي قوى ترى في المتغيرات الجارية في الاردن خطرا على مصالحها.
وينهي أمين عام الحزب الوطني الدستوري حديثه بالتأكيد أن قوى الشد العكسي باتت تدرك انها في الربع الاخير من ساعتها الاخيرة في وجودها بالقرب من الرأس السياسي، وان عملية الاصلاح في البلاد بدأت ومن اجل ذلك بدأت هذه القوى تعتمد الاساليب ذاتها التي اعتمدتها القوى الشعبية اي الاعتماد على الحزبية الادوات الحديثة لادارة الدولة من أجل ضمان بقائها في الصورة.
الاقتصاد أولا
بدوره، يعلن أمين عام الحزب الشيوعي د. منير حمارنة رأياً آخر في عملية الاصلاح. فهو يركز على مسألة الاقتصاد باعتباره عنوان المطالب الشعبية الاردنية أولا تلك المطالب التي إنقلت إلى السياسية أخيرا.
د. حمارنة مع الاصلاح المتدرج، إلا إنه يقول إن الاصلاح المتدرج بحاجة إلى خطوات واضحة ومعلنة يتم الافصاح عنها ومحاسبة الحكومة عليها في حال فشلت. الا انه يضع المملكة اليوم داخل مربع الازمة الاقتصادي وليس الاقتصادية التي لم تؤخذ بشأنها أي خطوات. يقول: «كل الاصلاح على اهميته لن يكون له معنى من دون تحقيق اصلاح اقتصادي عميق وواضح».
ويدرك د. علم الاقتصاد ان الخروج من الازمة الاقتصادية امر صعب، إلا انه في المقابل يرى ان على صانع القرار الاقتصادي البدء فورا بالتخلي عن البرنامج الاقتصادي الذي قاد البلاد إلى هذه الهاوية، والعمل على خطة اقتصادية واضحة تنقذ البلاد من الوقوع في الهاوية.