على وقع تصاعد نبرة المداخلات الدولية، وتصعيد في خطاب القوى السياسية، تتّسع مساحة الاشتباك الداخلي اللبناني بشأن قضية تمويل المحكمة الدولية المكلفة النظر باغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، والتي يُتوقّع أن يحتدم النقاش بشأنها مع اقتراب موعد استحقاقها.

وفي هذا الخصوص، لا يزال رئيس الحكومة نجيب ميقاتي متمسّكاً بوجهة نظره التي تقول بضرورة مضيّ لبنان في تسديد حصته في موازنة المحكمة، كجزء لا يتجزّأ من التعاون معها ومع مجلس الأمن، وهو لا يضع استقالته في الكفّة الأخرى من المحكمة، ويفتح باباً على مناقشة بروتوكول التعاون المعقود بين لبنان والأمم المتحدة بشأن المحكمة، في ضوء الحجج المتوافرة لدى بعض الأفرقاء حيال مدى مطابقة البروتوكول للآلية الدستورية اللبنانية. وفي أكثر من موقف لميقاتي في بيروت وفي نيويورك، أكد رئيس الوزراء اللبناني دعمه التمويل وضرورة أن يخرج بلاده من الجدل الدائر بين قائل به ورافض له، لكنه قال إن قرار الحكومة اللبنانية من التمويل «في أوانه فقط».

 

عرض الحائط

داخلياً، التصعيد في خطاب القوى السياسية حيال هذا الموضوع، عكسه الردّ العنيف لكتلة «المستقبل» النيابية على موقف الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله الرافض قطعاً للتمويل. وفيه أشارت إلى أن «أهالي الشهداء لم يُفاجأوا من موقف حزب الله الصادم مجدّداً للرأي العام، خصوصاً مع استمرار حمايته لعناصر متّهمة تنتمي إليه».

ورأت الكتلة ان ما أدلى به نصر الله «يضرب بعرض الحائط مجدّداً الإجماع على العدالة والمحكمة»، مشيرة إلى أن «هذا الموقف المستهجن لحزب الله يؤكد إصراره على مواجهة اللبنانيين ومنعهم من الوصول إلى الحقيقة، ومواجهة المجتمع الدولي وإقحام لبنان في معارك تعرّضه إلى مخاطر غير محمودة على أكثر من صعيد».

وفي حين طلبت الكتلة من الحكومة، وتحديداً من ميقاتي الذي التزم بالتمويل، إعلان الموقف الذي سيتخذه هو وحكومته بـ«وضوح وصراحة ومن دون التباس أو لغة مزدوجة بشأن المحكمة، وعدم الاكتفاء بإطلاق الوعود الفارغة من أي مضمون»، كان النائب ميشال عون يوجز بقوله: «نحن لسنا ضد العدالة، لكننا ضد التمويل، لأن أي اتفاقية دولية يجب أن تمرّ بواسطة رئيس الجمهورية ويرسلها إلى مجلس النواب».

وفي مقابل الرفض القاطع لخطوة تمويل المحكمة من خزينة الدولة، والذي بات أمراً محسوماً ومحتوماً لدى قوى الأكثرية، خصوصاً أن المخرج المطروح ينحصر راهناً بالتصويت داخل مجلس الوزراء، والنتيجة المترتبة عن مثل هذه الخطوة معروفة سلفاً، واصل الأميركيون العزف على وتر تمويل المحكمة ورفع منسوب الضغط على لبنان تدريجياً، بحيث أصبح موضوع التمويل حاضراً في أدبيّات المسؤولين الأميركيين الذين يزورون بيروت تباعاً في هذه الأيام.

 

الإيفاء بالالتزامات

وبالتزامن مع الموقف الأميركي، أكدت رئيسة بعثة الاتحاد الأوروبي في بيروت أنجيلينا إيخهورست، خلال مؤتمر صحافي أن الاتحاد الأوروبي «يتوقع من لبنان الإيفاء بالتزاماته الدولية ومتابعة تمويل المحكمة الدولية الخاصة به، وإذا لم يفعل ذلك، فسيكون موقف للاتحاد هو حالياً قيد الدراسة والتداول بين الدول الأعضاء»، مؤكدة أن «من يبقَ في الخلف يخاطر بخسارة دعم الاتحاد الأوروبي».

ويبدو أنّ احترام لبنان التزاماته سيُمثّل قاعدة المضي قدماً في التعاون بين بيروت والعاصمة الأوروبية، بروكسل، وهو تعاون يقوم على علاقة بدأت منذ العام 1977، وترسّخت في اتفاقية شراكة وُقّعت في 2002، وصولاً إلى اعتماد خطّة عمل في إطار السياسة الأوروبية للجوار في العام 2006. وفي إطار آليّة الشراكة، يحصل لبنان على هبات مقدارها 150 مليون يورو خلال فترة 2011- 2013.