بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما قرار المضي في الانسحاب الكامل من العراق بنهاية العام الجاري، استدعت الإدارة سفيرها في دمشق «للتشاور». وتذرعت واشنطن برفض بغداد منح الحصانة للقوات الأميركية التي قد تستبقيها لديها، لتصرف النظر عن الموضوع. كما تذرعت «بالقلق على سلامة السفير» لتبرر طلب حضوره إلى الخارجية. الذريعة في الحالتين هشّة، ولو أنها قابلة للتسويق. استخدمت على ما يبدو، لحجب تساهل محسوب في العراق، مقابل فتح فصل جديد من التصعيد مع سوريا. وكأن هناك عملية توازن تجري في التعاطي بهذه الصورة مع الساحتين وبالتالي في الربط الضمني بينهما. صراع وتقاسم نفوذ فوق ملعبين عربيين. ومن هنا ربما كان تزامن القرارين.
في شرحها للخطوة، أشارت وزارة الخارجية الأميركية في البداية، إلى أن السبب من استدعاء السفير كان «التخوف من حصول عنف ضدّه». مع أنه لم يثبت أنه كان مهدّداً.
ويوم رشق بالطماطم والبيض، أصرّت الإدارة على استبقائه لأن وجوده هناك ضروري ومفيد. فهو عين واشنطن وأذنها في سوريا. لذلك سارعت وعزت الإجراء إلى الحاجة للتشاور، مع التأكيد أنها «لم تسحب» السفير من دمشق كما «لم تطلب عودته». وأضافت انها «تتوقع رجوعه إلى دمشق، لكن عندما تتوفر البيئة المواتية لممارسة مهامه». حسب العرف الدبلوماسي، تكون فترة الاستدعاء عادة قصيرة، بالأيام وليست مفتوحة.
أمد بعيد
وعندما سألت «البيان» المسؤول في الخارجية الأميركية عما إذا كان يتوقع رجوع السفير قريباً، قال :«أنا لم أقل ذلك». ضمناً، هو باق في واشنطن إلى أمد غير قريب.
أجواء واشنطن تشير الى أن العلاقات الأميركية - السورية دخلت مرحلة «التعليق» أقل من قطيعة لكن أكثر من توتر. تردّ مرشح للمزيد من التفاقم. لاسيما أن دمشق ردّت بالمثل واستدعت سفيرها. التوقيت يوحي بأن المسألة أبعد من «تشاور». فهذا التطور جاء مباشرة بعد تصفية الوضع الليبي. وأيضاً بعد أيام من كشف السلطات الأميركية عن مؤامرة لاغتيال السفير السعودي في واشنطن. رافقه تلويح السيناتور جون ماكين بتكرار خيار السيناريو الليبي في سوريا.
واشنطن تقوم بـ«بناء قضية» بالتدريج لزيادة عزل دمشق. وخطأ الحسابات السورية يساعد هذه القضية، لمشابهة بداياتها لما حصل مع ليبيا العقيد.
المراهنة الأميركية
المراهنة الأميركية أن الأوضاع في سوريا سائرة باتجاه المزيد من التدهور، مادام لا تراجع عن الحلّ الأمني، الذي لا أفق له. ولو أن المظاهرات هبط حجمها ومدى اتساعها، في الوقت الراهن. وترى أوساط أميركية أن خطوة استدعاء السفير قد «تبعث برسائل تحفيز إلى الداخل». كما تنزع من يد دمشق ورقة التذرع «بالتحريض الذي تقول أن فورد مارسه من خلال اتصالاته مع أطراف المعارضة وزياراته لبعض قياداتها».
استدعاء السفيرين، ليس مفصولاً عن الظروف والتطورات التي شهدها المحيط المجاور. وإلاّ لكان من المفترض أن تقدم واشنطن على هذا الإجراء، قبل الآن.
يوم بلغ الغليان السوري درجة أعلى مما هي عليه حالياً. وهنا مكمن الخطر، إذ قد تصبح سوريا واقعة بين مطرقة أزمتها الداخلية النازفة وبين سندان إعادة رسم الترتيبات الكبيرة في المنطقة. فهل يأتي الخلاص من الشام وهي تقوى لو عزمت، أم يبقى ذلك ضرب من التمني؟.