لم تكف صالونات النخب السياسية والاجتماعية في الأردن طوال الأيام الخمسة الماضية عن السؤال حول قدرة حكومة عون الخصاونة على النجاح. هل تنجح فيما فشلت فيه حكومتان؟ وماذا يعني فشلها؟ ومتى يرى المواطن أنها نجحت أو فشلت؟
وكان العام 2011 شهد ثلاث حكومات أردنية، انتهت اثنتان منها نهاية مأساوية بعد أن أقيلتا بضغط من الشارع، وهما: حكومة سمير الرفاعي التي تزامنت إقالتها مع بدايات الثورة التونسية، ثم جاءت حكومة معروف البخيت فانتجت، كما يقول الاصلاحيون، مزيداً من الأزمات لصانع القرار الأردني، ما ادى إلى إقالتها هي الأخرى ليتم استدعاء نائب رئيس محكمة العدل الدولية د. عون الخصاونة علّه يستطيع إخراج البلاد من عنق الزجاجة التي علقت فيه.
آخر ما يريد أن يستقبله الأردنيون، بجميع تياراتهم السياسية، موالون او معارضون، هو فشل حكومة تتحول تدريجياً إلى ثالثة الاثافي.
سواء أدركت الحكومة المكلفة ذلك أم لا، فإنها تقود مملكة تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي.
إن كل من التقتهم «البيان» من نخب ومن مواطنين عاديين قالوا إنهم يدركون خطورة فشل الحكومة في إقناع الأردنيين بكفاءتها في قيادة إصلاح مرضي عنه في الشارع.
وعلى حد وصف أستاذ التاريخ المعاصر د. علي محافظة فإن الجُمع المقبلة، التي اعتاد الأردنيون الخروج فيها للمطالبة بالإصلاح، ستكون شاهداً حياً على رأي الأردنيين في ما تقوم به الحكومة من إجراءات.. في الوقت الذي رأى فيه الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية د. محمد المصري أن مهمة الحكومة في إقناع الأردنيين بها «سهلة للغاية»، وتكمن في قرارين سريعين: الأول تأجيل الانتخابات البلدية إلى حين استقرار رأي الأردنيين حول بنيتها، ووقف ما أسماه بـ «مهزلة البلطجية».
بالنسبة إلى د. محافظة، لم يتغير بتكليف عون الخصاونة لقيادة الحكومة شيء. بل أن أستاذ تاريخ الأردن المعاصر يرى، في تصريح إلى «البيان»، أن النهج الذي أتى بحكومتي الرفاعي والبخيت هو ذاته الذي اتى بحكومة الخصاونة. ويقول: «لا شك أن أحداث الربيع العربي التي بدأت في تونس ثم مصر كان لها الأثر المباشر على الأردن» مثلما كان لها اثرها على بقية الأقطار العربية.
وفي الأردن يظهر المتغير في تغير الحكومات المتوالي ما يدل على اضطراب سياسي واقتصادي وإداري في جميع الملفات ومنها مكافحة الفساد.
ويرى د. محافظة أن الهدف من هذه التغييرات هو تهدئة الرأي العام الأردني على وعندما سألته «البيان» عن هؤلاء الإصلاحيين قال: «فلينزلوا إلى وسط البلد بعد صلاة الجمعة، وينتقوا من يريدون»، في إشارة إلى المسيرات التي دأب الأردنيون على الخروج فيها كل يوم جمعة منذ مطلع العام مطالبين بالإصلاح.
مأزق سياسي
ولم يحد الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية د. محمد المصري كثيرا عن رأي د. محافظة، وإن كان أراد مساعدة الحكومة في البحث عن حلول للخروج بالبلاد مما وصفه بـ «المأزق» الذي وضعتها فيه حكومة معروف البخيت. يقول: «إننا نواجه مأزقا سياسيا، فلدى تكليف سمير الرفاعي بالوزارة ظهر غضب سياسي عليها ما أدى إلى انطلاق فعاليات لم تتوقف حتى رحلت، أما حكومة معروف البخيت فتعاملت مع الأزمة ولكنها تحوّلت نفسها إلى صانعة للأزمات، فتحولت عبئاً على النظام السياسي».
ويضيف المصري أن الهدف من مجيء الحكومة الجديدة هو «معالجة الأزمات التي خلقتها الحكومات السابقة واحتواء الأزمة الموجودة في الأردن.. وتخفيف المأزق السياسي» ويعتبر أن الحكومة الجديدة «عليها عبء شديد». ويبدو أن د. المصري يشعر بالتعاطف مع «التوقيت الذي جاءت به هذه الحكومة»، إذ يرى ان حركة الخصاونة «لتكون سهلة». وإذا كان المواطنون يمنحون الحكومات في العادة شهرين لتقييم أدائها، يرى أن المواطنين الأردنيين في العام 2011 غير مستعدين لذلك، وأنهم لن يعطوا الخصاونة أكثر من أسبوعين.
بالنسبة إلى الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية فإن تصريحات الرئيس إيجابية ويمكن مع هذه التصريحات وبعض الإجراءات أن تمنح النخب الحكومة فترة ثلاثة أسابيع لتقييمها و«لكن لا أكثر من ذلك».
وفي المقابل، يعتقد د. المصري أن بإمكان الخصاونة «إعادة شيء من الثقة بين المواطنين والحكومة من خلال حركة سريعة ينتج عنها قراران ينفذان فوراً: الأول، وقف ما يصفه بـ «مهزلة الانتخابات البلدية» عبر وقفها ودراسة ما يريده الناس وما يجب ان تكون عليه الأمور. والثاني، وقف ظاهرة البلطجية.
مواطنون ينتظرون ولكن
وفي استطلاع لـ«البيان» عن واقع المشهد السياسي لدى الشارع الأردني، قال المعلم عادل الجنادبة إن تشكيل ثلاث حكومات في عام واحد ليس إلا دليلاً يراه دامغاً على التخبط، ويعتبر أن الاستمرار في هذا النهج له أكبر الخطر والأذى على الأردن.
ويرى الجنادبة أن التغييرات والقرارات غير المدروسة كانت «وراء زعزعة الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية»؛ بعد أن لمس الأردنيون عدم الجدية في اجتراح الحلول، خاصة وأنهم مقتنعون أن الحكومة تعرف طريق الاصلاح جيدا، ولكنها ترفض أن تسير عليه. وترى الناشطة في الحراك الشبابي آيات جمال أن الاصلاح ليس بين أهداف التغيير في الأردن. وتقول: «هذا يدل على انه ليس هناك مؤسسية انما ما نفعله الاصلاح وفق نمط الفزعات والتجارب والاحتمالات». وتحذر من الآثار السلبية على وحدة وتماسك الأردنيين الذين باتوا يتساءلون: «هل نفد أبناء الأردن الشرفاء، أم اننا لم نكلف انفسنا عناء البحث عنهم؟»
أبوأمير، الموظف في إحدى المؤسسات الحكومية وفضّل الاكتفاء بكنيته، يبدى قلقه على أن «لا تقف آثار التخبط في اتخاذ القرارات على استقرار المواطنين، بل تتعداها إلى التأثير على الحالة المالية للدولة وكذلك على المستثمرين».
ويخشى أبوأمير أن تبقى الحكومة على ليلاها تتغنى بمقولتها: «الأردن مش زي (مثل) تونس ولا مصر وتتناسى أن الشارع بات يغلي».
