تونس - الحبيب الأسود

من لم يزر تونس منذ أواخر العام الماضي، أي منذ عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، سيجد نفسه أمام مشهد آخر، وسيلاقي الشوارع التونسية بمناظر لم يشهدها من قبل من جلابيب ولحى وقلنسوات أفغانية و باكستانية ، و نساء يرتدين النقاب، وربما يحضر صلاة في الشارع، أو ربما يدخل مسجدا فيكتشف انه خارج سلطة الدولة، وان الامام فيه يمارس التوجيه السياسي بدل الإرشاد الديني ويدعو التونسيين الى انتخاب هذا الحزب و الحذر من الآخر. واذا كان هناك مئات من الجوامع والمساجد أفلتت من رقابة الدولة ، فإن الاخطر من ذلك ان هناك اطرافا سلفية أصبحت قادرة اليوم على تحريك الشارع و على رفع السلاح في وجه السلطات ، حيث ورغم التكتم الرسمي ، استطاعت بعض الجماعات السلفية الحصول على اسلحة متطورة من مراكز الامن و من الاسواق الموازية و خاصة في ظل الحرب الليبية و تحويل جزء من التراب التونسي الى ممر للاسلحة الى داخل التراب الليبي.

قوة السلفيين

وتكمن قوة السلفيين في تلاحمهم وفي احساسهم بالاختلاف عن بقية التونسيين، فهم اليوم يستطيعون القيام بما لا يقوم به حزب اسلامي معترف به مثل حزب حركة النهضة ،و قد نجحوا فعلا في ازعاج السلطات الامنية بالهجوم على قاعات للسينما و المسرح وعلى دور عبادة لغير المسلمين وعلى مقر قناة نسمة التليفزيونية و على بعض الملاهي و الحانات.

و ينشط أفراد الجماعات السلفية التونسية عبر مواقع الانترنت، و أغلبهم ممن تعرضوا للملاحقة والسجن طبقا لقانون الارهاب في عمد النظام البائد ،و تتراوح اعمار اغلبهم بين 30 و 25 عاما و ينحدر اكثر من نصفهم من مناطق الشمال والاحياء الشعبية و الفقيرة ، ومرجعياتهم جهادية.

من جهتها حققت الحركة الاسلامية في تونس نصرا كبيرا بسقوط نظام بن علي رغم أنها لم تكن عنصرا فاعلا في الثورة، شأنها في ذلك شأن بقية الاحزاب والتيارات الفكرية والأيديولوجية والنخب المتحركة في الفضاء التونسي إما سرّا أو علنا.

في هذا الصدد يقول أستاذ كرسي اليونيسكو للاديان المقارنة بجامعة منّوبة التونسية الدكتور محمد الحداد ان: «الظاهرة الاسلامية ليست امتدادا للتدين التقليدي الذي كان سائدا في تونس قبل السبعينيات من القرن الماضي و ان لا علاقة للظاهرة الاسلامية بموجة التدين الجديد التي ظهرت منذ سنوات لانها موجة غير مسيسة ، كما ان ما حدث يوم 14 يناير ادهش العالم بعد ان فرض الشباب الذي رُبّي لمدة عقدين على نبذ السياسة و الفكر ان يفرض نفسه فاعلا سياسيا اساسيا»

وفي تحليل للقوى والمواقف في المشهد الاسلامي في تونس، يستشهد الكاتب الصحافي و الباحث صلاح الدين الجورشي بمقولة لأحد شيوخ الدين الزيتونيين : «وُلد موسى في قصر فرعون» ، تلميحا الى ظهور الحركة الاسلامية في البلاد رغم ما يُتّهم به الحبيب بورقيبة الزعيم الوطني و اول رئيس للجمهورية من 1957 الى 1987 من عمل على تهميش دور الدين في الحياة العامة.

مشروع يتجاوز تونس

أما من بعد 14 يناير 2011 ، فقد عاد زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي الى تونس ليعلن منذ البدء انه لن يترشح لأي منصب سياسي ، مما يعني انه اختار ان يكتفي بدور الاب الروحي للحركة الاسلامية التونسية التي لا تكتفي بمحيطها الجغرافي المحلي و انما تمد بذراعيها الى بقية الدول العربية الاخرى في اطار مشروع لا يقف عند الحدود القطرية أو الاقليمية.

و يخوض حزب النهضة التونسي انتخابات المجلس التأسيسي بقوة ستؤهله للحصول على المرتبة الاولى بين الكيانات السياسية المتنافسة حسب كل عمليات سبر الاراء التي تم تنظيمها قبل انطلاق الحملة الانتخابية.

قمع و تنكيل

بدأت حركة النهضة مسيرتها كجماعة دعوية في اوائل السبعينات عندما كانت الحركات اليسارية في أوج قوتها و صراعها مع النظام «البورقيبي» الذي لم يكن يخفي كرهه للشيوعية و لا تكهناته بقرب زوال الاتحاد السوفياتي حيث تعرض اتباع النهضة الى كل اشكال القمع و التنكيل و التعذيب و الملاحقات الامنية والقضائية في اواخر حكم الحبيب بورقيبة، وعندما وصل زين العابدين بن على الى السلطة في نوفمبر 1987 اطلق سراح رموز الحركة من السجون ودخل معهم في مرحلة وفاق لم تدم طويلا بسبب قدرة الإسلاميين على التأثير في الرأي العام و حصولهم على نتائج مهمة في انتخابات 1991 التشريعية.

الحنين إلى زمن الخلافة

اما حزب التحرير التونسي فهو فرع اصيل من التنظيم الدولي الذي تأسس تحت ذات الاسم في القدس عام 1953 على يد الداعية تقي الدين النبهاني المنشق عن حركة الاخوان المسلمين.ويقول الباحث في الحركات الاسلامية والصحافي والحقوقي صلاح الدين الجورشي ان ولادة الفرع التونسي من حزب التحرير تزامنت مع بداية ظهور الجماعة الاسلامية التي تحولت فيما بعد الى الاتجاه الاسلامي ثم الى حركة النهضة ولأنه يؤمن بالتغيير الجذري يعمل على استئناف الحياة الاسلامية عن طريق اقامة دولة الخلافة رغم أنه لم يحصل على الترخيص القانوني للعمل السياسي.

السلطان للأمة

أعلن الناطق الرسمي باسم حزب التحرير رضا بالحاج أن التوجهات السياسية لحزبه تقوم على مبدأ «السلطان للامة» التي لها حرية اختيار حاكمها وان نظام الخلافة هو النظام الأنسب للبلاد وأن الشرع هو أفضل دستور للأمة.

كما أعلن أن للحزب مشروع دستور بديل للبلاد سيتم عرضه على المجلس الوطني التأسيسي لابداء الراي فيه ملاحظا ان الديمقراطية قضية مفتعلة لا يجوز الانشغال به، نافياً أن يدخل حزب التحرير في اي تحالفات مع أحزاب أخرى بينما يؤكد عدم اعتراف الحزب بقانون الأحوال الشخصية.

سجال

يتفق الكثيرون من رجال السياسة أنه لا يوجد من يمارس الحياد في التعامل مع حركة النهضة حيث ينقسم التونسيون بين متحمّسين لها ومدافعين عنها بقوة و بين رافضين لها ومتحاملين عليها وخائفين منها. ويرى د. محمد الحداد ان الاسلاميين يحاولون طمأنة هؤلاء عندما يعدونهم بالتسامح واحترام حرية الرأي وفسح المجال للاختلاف، فيكون الرد بأن التجارب الاسلامية خارج تونس بدأت بنشر الوعود الجميلة ثم انتهت بالانقلاب عليها.. فيرد الاسلاميون بتقديم النموذج التركي بديلا ايجابيا فيقول خصومهم ان تفرّد الحالة التركية سببها العلمانية.