وسط حالة من الشجون المتناهي والعواطف الجياشة والأفراح والمشاعر المؤثرة، اختلطت فيها الدموع والابتسامات والتعانق الطاهر النابع من الإخلاص وسنوات الفرقة، وبالتحديد داخل قاعة المؤتمر الصحافي في فندق «فورمنت المطار»، استقبلت كل تلك الأحاسيس عائلات 40 أسيرا مبعدا عن أوطانهم، وسط تسليط إعلامي تهافت لرصد تلك اللحظات الفارقة في تاريخ القضية الفلسطينية وبالتحديد في حياة هؤلاء الأسرى المناضلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

ورصدت «البيان» التلاحم الذي يعبر عن تاريخ من النضال يمضي وتاريخ آخر من النضال يبدأ.. للأسرى المبعدين قبيل مغادرتهم القاهرة.

ويتحدث الأسير وليد زكريا عبد الهادي، لكاميرات الإعلام، وزوجته وابنه خالد يحوطانه بسياج آمن بأيديهم المتشابكة كأنهم لا يصدقون أنه معهم فيقتربون منه تارة ويعانقونه ويبكون تارة أخرى وينظرون إليه في تلهف وحنو واشتياق، فيقوم الأسير الحر، بسرد بعض لحظات فراقه للأسرى عندما ودع أحبته ممن لا يزالون يقبعون في زنازين السجان الإسرائيلي، بالدموع، قائلا: كنت في العزل أنا وأخ لي اسمه أحمد المغربي، وكنت أتمنى أن يكون معي لكن ترك وحيدا في سجنه الانفرادي.. قائلا: إن باقي الأسرى الذي لم يفرج عنهم فرحوا لنا ومعنوياتهم قوية، وهم صابرون ومحتسبون، ويشدون أيضا على يد المقاومة لكي تعمل على تحريرهم في أقرب فرصة سانحة.

وعن المعاملة الإسرائيلية له في السجن، قال وليد عبد الهادي بنبرة باكية: «أذاقونا الويلات يتهمون الناس بالإرهاب بل هم المجرمون والإرهابيون».

وفجأة تداركنا سؤالا وجهناه إليه بسرعة قبل أن ينصرف، عن تهمته، فقال لقد اتهمت بأني مؤسس كتائب عز الدين القسام وقضيت عشرين عامًا كأنهم 1500 سنة، أما عقوبتي فكانت 16 سنة مؤبد».

وسألنا خالد ابن الأسير وليد عبد الهادي والذي كان كتفه بكتف أبيه بعد أن تركه في رعاية الله وأحضان أمه وهو بعمر ثلاث سنوات، بما هو شعوره وأن يده بيد أبيه في تلك اللحظة، فامتزجت لدى خالد الدموع بالفرحة.

وقال «ما الذي أقوله فرحان ومبسوط»، ثم بكى وهو يقول «فرحان كتير»، وأمام عينه فجوة واسعة من الزمن الماضي التي غابت عنها ذكريات الوالد مع ابنه إلا من أخبار عن والده الذي في سجون العدو.

 

القهر

من جانبه يروي أسير آخر من نابلس وهو «أحمد أبو الفتوح» من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بتهمة أنه شارك في إحدى العمليات ضد المستوطنين في الضفة الغربية، لحظات الاضطهاد الإسرائيلي حتى وهو داخل السجن، فيقول: «إن السجان يقف على رأس السجين في ممارسات قهرية لا أحب أن أتذكرها الآن.. أتمنى في يوم من الأيام رغم أنهم أبعدونا مدى الحياة أن نعود إلى وطننا، وقال إنه حزين لهذا الفراق».

ويشبه أسير آخر نفسه بالإنسان الميت الذي قد تم إحياؤه، مشيرا إلى أنه كان يعد نفسه من الأموات وقد بلغ من العمر عتيا ببلوغه الستين عاما.

 

1600 سنة!

وصف أسير آخر ( 32 عاما) وكان مسجونا وهو لديه 22 سنة، اسمه محمد وائل دغلس، من حماس، كان محكوما عليه بالسجن 1600 سنة، وهو أحد المضربين عن الطعام، سجون الاحتلال بأنها عبارة عن مقابر للأحياء لكن خرجنا بفضل الله ثم المجاهدين رافعين رؤوسنا رغما عن أنوفهم، كاشفا عن مساومة إسرائيلية قائلا: حاولوا أن يساومونا عند تجميعنا في السجن وأن يجعلونا نوقع على أوراق نبذ الإرهاب وما شابه، لكننا رفضنا وقلنا لهم « لن نوقع ولا نريد الخروج لأننا لم ننفذ إرهابا بل انتم الإرهابيون ونحن نفذنا مقاومة ضد مشروع احتلال استبد بالأرض وقتل البشر وحرق الشجر».

 

الدور المصري

أكد السفير ناجي الغضريفي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق أن وساطة مصر في الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين لها مدلول على عودة ظهور مصر بعد الثورة من جديد على الساحة العربية ..لافتا إلى أن تلك الوساطة تؤكد على دور مصر المحوري في القضية الفلسطينية وأنها شريك مهم ومحوري لإنهاء الصراع وإحلال السلام.

وأكد أن المخابرات المصرية لعبت دورا ملموسا في إنهاء الصفقة مستغلة حالة العزلة الصهيونية ومارست عليها الضغط لتنفيذ صفقة الأسرى بنفس الشروط التي وضعتها حركة حماس من قبل، مما يدلل على أن مصر تعيد تقديم نفسها للشعب الفلسطيني من جديد بأنها المساند الأول للقضية الفلسطينية والمشارك في حل المشكلات الفلسطينية والتي بدأت بالمصالحة الفلسطينية الفلسطينية.