من بين الأسئلة التي أثيرت في واشنطن حول صفقة الأسرى بين «حماس» وإسرائيل، اثنان رئيسيان: لماذا تراجعت الأطراف المعنية عن مواقفها المعروفة بشأن هذا الملف؟ وهل يشكل هذا التطور كوّة في جدار مسار السلام ليفتح الطريق أمام تجديد المفاوضات؟ وعلى الهامش تردّد سؤال يتعلق بما أبدته الإدارة الأميركية من غضّ نظر عن تفاوض الحكومة الإسرائيلية مع «حماس» التي تضع فيتو عليها بوصفها منظمة إرهابية ؟

أحد العارفين المتابعين من واشنطن لمختلف جوانب القضية، يرى العملية بأنها جاءت ثمرة لتقاطع الحسابات المربحة في لحظة مواتية؛ لسائر الأطراف. نتنياهو الذي سبق وشجب محاولات سلفه اولمرت لتحقيق مثل هذه الصفقة ووصفها بالخيار السيئ، عاد وبلع لسانه؛ ليصحح صورته ويظهر بأنه «رجل القرارات الصعبة» وليس رجل «التعنت» كما يقال عنه؛ بل يملك ما يكفي من «الليونة» للإقدام والقبول بالصفقات والصيغ «المعقولة». وربما لتصحيح صورته أيضاً لدى مصر. وقبل كل شيء، قد يكون أراد منها ردّ الصاع للرئيس الفلسطيني وذهابه إلى الأمم المتحدة.

أما «حماس»، يضيف، فقد أقدمت على الصفقة لعدة اعتبارات حملتها على الإسراع في إبرامها؛ منها «تحقيق انجاز يعطيها من الأضواء والرصيد ما ناله الرئيس عباس على إثر تقديمه لطلب الاعتراف بالدولة من جانب الأمم المتحدة». بذلك تقدم نفسها كطرف فلسطيني «محاور». ومن هنا كان تخليها عن بعض شروطها، مثل القبول بإسقاط أسماء من لائحة الأسرى التي أصرت عليها من بينها اسم أحمد سعدات أمين عام الجبهة الشعبية المعتقل في السجون اٍلإسرائيلية. وبين الاثنين بدت مصر بوساطتها الناجحة وكأنها «بدأت تستعيد دورها الغائب في المنطقة».

الخارجية الأميركية، التي رفضت التعليق «قبل التنفيذ»، فقد رحّبت «بعودة شاليت إلى أهله»، من دون شمول الأسرى الفلسطينيين بنفس الترحيب. كما شرحت موقفها من العملية بالقول ان «قرار التفاوض شأن سيادي إسرائيلي» وإنها ترحب بدخول «حماس» في العملية السياسية؛ شرط «تخليها عن العنف والاعتراف بإسرائيل كما بالقرارات الدولية المعنية». فلا اعتراض لواشنطن على هذا التفاوض طالما ارتضت به إسرائيل. لكن أن تمد رام الله يد المصالحة إلى «حماس» فذلك كان مدعاة نقد ونقمة عليها !

إذا كان كل طرف قد نال حصة من أرباح الصفقة والرابح الأكبر كان الأسرى الفلسطينيون فهل يلحق عملية السلام شيء منها ؟ سؤال طرحته أكثر من جهة في واشنطن.

معظم إن لم يكن كافة القراءات، تربط عملية الأسرى بظروفها ومكاسبها السياسية، الآنية المستعجلة. فهي جاءت من خارج سياق المسار التفاوضي، الذي «تبخّرت الرغبة في مواصلته» هو الآخر، على حدّ تعبير روبرت موللي رئيس مركز الدراسات المتعلقة بالأزمات الدولية. فهذا النموذج ، يقول، «قد انهار والولايات المتحدة خسرت دورها كوسيط بعد تآكل صدقيتها»؛ ولهذا «تبدو السنة القادمة بمثابة سنة ميتة على هذا الصعيد، بحكم عمق الأزمة من جهة وطغيان الانتخابات الأميركية على كافة الاهتمامات من جهة أخرى». وفي ظل هذا الاعتقاد السائد، يتندر المراقبون بأخبار «الرباعية الدولية» عندما تعلن عن اجتماع قريب لها، كالذي تنوي عقده في لندن بعد أيام. فماذا عساها أن تفعل في زمن الانهيار وهي الغائبة المغيّبة منذ ولادتها؟