مع بدء العد التنازلي للانسحاب الأميركي من العراق الذي لم يتبق أمام إنجازه، وفق الاتفاقات والإعلانات المتتالية، سوى شهرين، يطرح العراقيون السؤال الأكثر صعوبة: هل ستنسحب القوات الأميركية بالفعل؟ فببقاء مدربين أميركيين أو بضع آلاف فضلاً عن منحهم الحصانة يثير الكثير من الشكوك.
ومثلما ظلّ الغموض والإبهام يحيطان باتفاقية العام 2008 ونصوصها، فإن الغموض والسرية لا يزالان يغلّفان الموقف من استحقاق الانسحاب الأميركي، الأمر الذي يضاعف القلق من احتمال تدهور الوضع نحو المزيد من التعويم، فضلاً عن عدم الشعور بالثقة والاطمئنان والأمن. ومثلما حذّر رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي السابق مايكل مولن الحكومة العراقية من أن عدم التوقيع على الاتفاقية سيؤدي إلى عواقب كارثية، فهناك من يقول، لا سيما من الجانب الأميركي وبعض المسؤولين العراقيين المقربين من الإدارة الأميركية، ان الانسحاب سيعرّض الوضع العراقي إلى «انهيار».
جدل واسع
احتدم النقاش في أروقة السياسة في العاصمة العراقية حول تمديد بقاء القوات الأميركية من عدمه، فالولايات المتحدة التي يبدو أنها تحبذ إبقاء بضعة آلاف من جنودها كقاعدة ارتكاز توفر حضوراً معنوياً، وكل الترجيحات تشير إلى أن التمديد هو الأقوى، خصوصاً وأن كبرى القوى والكتل السياسية العراقية تنحو هذا المنحى شيئاً فشيئاً.
العديد من الساسة يدركون تماماً حجم المخاطر التي سيخلّفها الانسحاب على مستقبلهم، وعلى مستقبل بلادهم، لذا تراهم يسعون جاهدين إلى إيجاد صيغة تكون مقبولة، أو على الأقل لا تثير حنق، أغلبية الشعب العراقي، عبر محاولة إبراز حاجة القوات المسلحة العراقية إلى مزيد من التسليح والتجهيز والتدريب كمبرر لتمديد بقاء القوات، علماً أن الأدوات التي انتدبها الاحتلال لمشروعه لم تكن في يومٍ قادرة على إدارة الدولة ولن يكون ذلك كافياً لما تفتقده من عمق جماهيري؛ فسوء الخدمات بل انعدامها سمة مميزة لحكومات الاحتلال المتعاقبة، فضلاً عن استشراء الفساد الإداري والمالي.
صراع سياسي ساخن
والمتابع للشأن السياسي العراقي يلحظ صراعاً ساخناً يعتمل بين الكتل السياسية العراقية الحاكمة تجاه هذه المسألة بين مؤيد لبقاء القوات الأميركية خدمة لمصالح مشتركة وبين معارض له، وبين بعض يخشى حصول تطورات داخلية كتلك التي تشهدها المنطقة العربية والمرتبطة بالاحتجاجات والثورات. وبشكل عام تشير التحليلات إلى أن معظم تلك القوى ترغب ولا ترغب في الوقت نفسه في الإبقاء على القوات الأميركية في العراق، وهم وفقاً لهذا المنطق يسوقون ثلاثة مبررات لتلك الحالة:
الأول: يتعلق بمبررات الإبقاء على الوجود الأميركي من قبيل الخوف من القوى السياسية ذات الارتباطات الإقليمية الخارجية، ومن ثم فإن وجود هذه القوات يمثل عوامل كابحة لتلك القوى وامتداداتها الإقليمية.
وأنصار هذا الرأي يتعلّلون بأن العراق لديه من المشكلات السياسية الداخلية والخارجية ما لا يستطيع أن يواجهها بمفرده خلال الفترة المقبلة.
الثاني: يتعلق بمن يريدون الانسحاب، فهؤلاء يرونه أنه يفوّت الفرصة على الميليشيات المسلحة التي تحاول توظيف ارتباطاتها الإقليمية لتكريس حالة الاحتقان الطائفي بفعل الاحتلال الأميركي والذي ساهم في تقنينها في نظام الحكم القائم على المحاصصة الطائفية.
الثالث: يتعلق بفئة محددة من القوى السياسية لا تكتفي بخروج القوات الأميركية باعتبارها قوات احتلال فقط، ولكن توجب على أنصارها محاربتها وأيضاً خدمة لمصالح إقليمية. كما أن المواطن العراقي بات يفهم اللعبة على أنها الوجود الأميركي الذي لا يحمي المواطن والوطن بقدر ما يحمي الساسة وأحزابهم وكتلهم، كما أن هذا التواجد يراه المواطن عاملاً لجذب العنف خصوصاً تنظيم القاعدة الذي يعتبر الوجود الأجنبي عامل جذب لمقاتليه من داخل وخارج العراق، كما إن المواطن العراقي أصبح يعلم جيداً أن الوجود الأميركي عامل لجذب الجماعات المسلحة التي تدار من قبل قوى خارجية ويتم استخدامها كورقة لعب ضد الأميركيين على الساحة العراقية. وحتى سياسياً استخدمت قضية الانسحاب من قبل بعض السياسيين والكتل كورقة مزايدة وطنية تم بها تعبئة الشارع ضد الوجود العسكري فأصبحت رغبة الأغلبية من العراقيين هي رحيل هذه القوات.
فشل جهود الإعمار
من يصدق على سبيل المثال، أن دولة كبرى كالولايات المتحدة الأميركية لا تستطيع إعادة الكهرباء، بعد ثماني سنوات، لبلد غني بالنفط لا يتجاوز في حجمه وتعداد سكانه حجم ولاية تكساس. وبالمثل يصح قول ذلك على موضوع عودة مياه الشرب النقية، وبناء شبكات المجاري، وتقديم الخدمات الصحية والتعليمية، التي تراجعت كثيراً أثناء فترة الاحتلال. ربما يجادلنا البعض، بالقول إن اندلاع العنف في العراق بعد الاحتلال، هو الذي حال دون إعادة إعمار العراق، وإعادة الخدمات الأساسية له، واستكمال بناء مؤسسات الدولة.
وهذا القول رغم عدم دقته، لكننا نقبل به كمبرر في السنوات الأولى للاحتلال حتى العام 2006، حين أعلن عن تشكيل الصحوات، وحدث بعدها تراجع واضح وملحوظ في عمليات المقاومة الوطنية العراقية ضد الأميركيين والذين تعاونوا معهم في تدمير ما بين النهرين كياناً وهوية. وقد مضى على تراجع عمليات المقاومة أكثر من خمس سنوات، هي بأكثر التقديرات تشاؤماً كافية لإعادة إعمار البلاد. وبما أن القوات المسلحة العراقية غير قادرة حتى الآن على حماية الأجواء العراقية وكذلك المياه الإقليمية، إزاء التحديات الخارجية، فالأمر يتطلب وجوداً عسكرياً أميركياً لتأمين ذلك، وهو المبرر ذاته الذي «رضخت» إليه القوى السياسية بقضّها وقضيضها تقريباً، لا سيما من المشاركين بالعملية السياسية لتبرير موافقتهم على اتفاقية العام 2008 وقبلها مذكرة التفاهم، وعلى تمديد القرارات الدولية، ومهمّات قوات التحالف في العراق، ودفع تعويضات لواشنطن في اتفاقية التسوية بلغت 400 مليون دولار بعد إغلاق صندوق تنمية العراق الذي تأسس طبقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 1483 في 22 مايو 2003.
وهكذا فإن صورة موضوع انسحاب القوات القتالية إلى قواعدها لم يكن صادقاً فيما ادّعته واشنطن؛ فعلى مدى الشهور الماضية كان هناك رصد لتجوال القوات المحتلة من دون مشاركة للقوات التي أنشأتها وأطلقت عليها اسم الجيش العراقي الجديد فمثلما كان الانسحاب إلى القواعد الذي رافقته خروقات لم يستطع القادة الأميركيون الإجابة عنها أو تفسيرها ستتعرض إلى النقطة القاتلة لهذه الصفحة حين تحدث اشتباكات أخرى هنا أو هناك بين المجاميع المسلحة وبين قوات الحكومة شبه العاجزة عن صدها، عندها ستستدعي قوات الاحتلال مرة أخرى؛ فمن أي باب سيفسر تدخل القوات التي قوامها خمسون ألف مقاتل وتوصيفها أنها لأغراض التدريب والاستشارة، أما الشركات الأمنية التي أوصت الإدارة الأميركية بمضاعفة أعدادها فمشهود لها جرائمها في الساحة العراقية.
نفي صفة المحتل
وعلى الجانب الأميركي يلاحظ وجود تباين بهذا الشأن، فهناك أطراف سياسية داخلية تطالب بضرورة الالتزام بقرار سحب القوات وخروجها من العراق، وأطراف سياسية أميركية أخرى تطالب بتأجيل قرار الانسحاب.. النوايا الأميركية بشأن التمديد لقواتها في العراق سواء أكانت قتالية أو غير قتالية أو قوات تدريبية هي نوايا واضحة ومعروفة، وهي تلتقي مع رغبة العديد من القوى السياسية التي ترى في الوجود الأميركي حماية لها ولمصالحها الاستراتيجية وتتناغم في التوقيت ذاته مع قوى إقليمية ترى أن الأوضاع في العراق لا تزال بعيدة كل البعد عن الاستقرار السياسي والأمني، مما يجعل العراق ساحة لنفوذ واستقطاب إقليمي لصالح قوى إقليمية معادية لتلك القوى المحافظة، ومن ثم فإن الأميركيين بالرغم من رغبتهم البقاء في العراق إلا أنهم لا يعلنون عنها صراحة وهم حريصون على أن يأتي طلب تمديد بقاء قواتهم من العراقيين أنفسهم في محاولة لنفي صفة «المحتل» عن هذه القوات إذا ما كتب لها البقاء في الأراضي العراقية.
ولا يخفى على المتابع أن العلاقات العراقية الأميركية حتى لو تم الانسحاب العسكري، فإنها ستبقى متينة وقوية وسيبقى النفوذ الأميركي في العراق قوياً ومؤثراً بشكل كبير، لأنه ليس من المعقول أن يدفعون نحو 4500 قتيل وآلاف الجرحى والمصابين ومئات المليارات من الدولارات لكي يتركوا العراق لدول الجوار والدول الإقليمية تسيطر عليه، ودون أن تكون لهم كلمة في مستقبل هذا البلد الغني بالثروات.
فرضية الانسحاب
لا شك أن عراق ما بعد الانسحاب الأميركي ستتغير فيه المعادلات وترتبك فيه الموازين؛ فالقوى المناهضة للاحتلال رحبت بهذا الانسحاب من باب أنه يعد نصراً في ورقة من أوراق الصراع وقد عبرت عنه خير تعبير حينما قالت: إن الصراع لم ينته بعد. ومن هنا تنبع النظرة السديدة لمجريات الصراع الدائر على أرض الرافدين؛ فالمحتل جاء بمخطط تقسيم العراق وإلهاء شعبه بصفحة الصراع الطائفي والعرقي. الانسحاب سيكون سبباً مباشراً لتغيير الواقع العراقي، وستقف أطراف ثلاثي العملية السياسية أمام الحقيقة، كون العراق وطناً وليس كعكـة، وسيسقط جدار الخوف والحذر وتكون المواجهة بين الفرقاء أكثر شفافية، ويستطيع كل طرف ان يظهر كما هو عليه ويعبر عما يحلم بتحقيقه وهو حـر في تحديد علاقته مع الآخر دون ازدواجية وضبابية، وتأخذ الحالة العراقية طريقها نحو الصدق مع ذاتها، وتنتهي خرافة التهديد بالفوضى والحرب الأهلية، ويصبح العراق قادراً على حفظ أمنه.
