يبدو أن العراقيين لن يشهدوا انسحاباً أميركياً كاملاً من أراضيهم يلغي أي وجود لتلك القوات حتى لو كان تحت مظلة التدريب أو الاستشارة. فكلما طُرحت مفاوضات الانسحاب أو بقاء جزء من القوات، نجد القوات العراقية غير قادرة على فرض الأمن في المناطق التي تتولى السيطرة عليها كلياً، ما يستدعي نظرية أنها غير مؤهلة بعد على تولي زمام الأمور بشكل كامل ونهائي، ما يعني أنها لا زالت بحاجة لهذا الوجود الأميركي على أراضيها، أيا كان الاسم الذي ينضوي تحته.
وما يرجح هذا الرأي أن العاصمة العراقية بغداد شهدت أول من أمس سلسلة تفجيرات منظمة استهدفت بالأساس مراكز للشرطة والأمن في أعنف موجة إرهابية ضربت البلاد منذ أغسطس الماضي، تلاها سيل من الاتهامات الموجهة إلى دول جوار، التي لم يتم تسميتها، وإلى الأجهزة الأمنية التي لطالما كانت «مقصرة» في نظر كثير من السياسيين، فيما طالب البعض بإعادة النظر في المنظومة الأمنية وفتح تحقيق شامل يكشف «المتورطين». مطالب واتهامات لم تخلُ من تحميل كل من مجلس النواب (البرلمان) والحكومة مسؤولية هذا الانفلات الأمني.
في خضم ذلك، لا تزال معضلة بقاء القوات الأميركية بعد الانسحاب الكامل المقرر في نهاية العام الجاري قائمة، وهي تتأرجح بين تمسك واشنطن بحصانة قضائية لقواتها هناك، مقابل فتح بغداد باب التمديد للقوات «على استحياء»، دون أن تقبل علانية بالحصانة.
مفاوضات ومواقف معلنة لم يكفّ خلالها رئيس الوزراء نوري المالكي عن ترديد فكرة أن العراق بحاجة الآن لمدربين وخبراء سلاح بلا حصانة، مع التلويح بأنه يمكن للقوات الأميركية، البالغ عددها حاليا نحو 43 ألف جندي، أن تلتحق بمهمة تدريب حالية تابعة للسفارة الاميركية في بغداد، او ان تنضم الى مهمة تدريب أوسع نطاقا تتبع حلف شمال الاطلسي (الناتو)، بدلا من اللجوء الى اتفاق ثنائي يتطلب حصانة اميركية «سيفشل تمريره في البرلمان العراقي».
أراء ومواقف لم تُحسم حتى اللحظة، ولم تختفِ علامات الاستفهام من حولها، لاسيما في ظل تشكيك خبراء ومحللين عراقيين بشأن جاهزية القوات الأمنية الوطنية لتسلم زمام الأمن، وقدرتها على ملاحقة المجاميع المسلحة والقضاء عليها، ما يمكن اعتباره مؤشرا على حاجة العراق إلى الجيش الأميركي لتدريب القوات. ويرى حاملو هذا الرأي أن تفجيرات الأربعاء أكدت بوضوح أن القوات الأمنية غير قادرة على حفظ الأمن بعد الانسحاب الكلي للقوات الأميركية، مؤكدين أن الهاجس الأمني يسيطر على الجانب السياسي، وهم يؤكدون أن المجاميع المسلحة التي تقوم بعمليات التفجير والاغتيال «منظمة وتعمل برؤية سياسية»، ما يستدعي التعامل على هذا الأساس.
وبينما خاض العراق موجة عنف بين عامي 2005 و2007 راح ضحيتها آلاف العراقيين، وصفت بأنها الأسوأ منذ سقوط نظام صدام حسين في العام 2003. ورغم تحسن الوضع الأمني بشكل ملموس دون التخلص من هجمات «المتشددين» أو «الإرهابيين»، إلا أنه منذ تشكيل الحكومة العراقية أواخر العام الماضي لم يتم الاتفاق على الأسماء المطروحة لشغل الحقائب الوزارية الأمنية الثلاث: الداخلية، الدفاع، الأمن الوطني، ما جعل البعض يفسر تفجيرات بغداد الأخيرة على أنها «رسالة واضحة للحكومة بأن مسك الأرض عبر نقاط التفتيش ليس كافياً»، ما يتطلب تعزيز قدرتها الاستخباراتية والمعلوماتية والأمنية، وذلك من خلال حسم توزيع تلك الحقائب لشخصيات مؤهلة على إدارتها والنهوض بمستواها.
تحليلات وتفسيرات تصب جميعها في قناة واحدة مفادها أن القوات العراقية لم تتمكن حتى اللحظة من فرض سيطرتها الأمنية كاملة، ما يضعف موقفي الحكومة والبرلمان داخليا وخارجيا، دون إنكار تدبير جهات معينة لهذا الانفلات لأسباب لا يستثنى منها إبقاء هذا البلد في دوامتي العنف والاحتلال.
