لم يدر في خلد المسؤولين عن قناة «نسمة» التلفزيونية التونسية الخاصة ان مبادرتهم بعرض فيلم ايراني مدبلج الى اللهجة العامية المحلية، ستتحول الى قوة دعم لحزب حركة النهضة والحركات السلفية وضربة موجعة للاحزاب العلمانية واليسارية.

وكان الشارع التونسي شهد مسيرات وتحركات منذ الاحد الماضي للتنديد بإقدام قناة «نسمة» على عرض الشريط السينمائي الايراني «بلاد فارس» الذي تضمن مشهدا تجسيديا للذات الإلهية استنكره آلاف المتابعين.

ورأى مراقبون ان الهدف من عرض الفيلم كان التأثير في الحملة الانتخابية ووضع التونسيين امام النتيجة المنتظرة في حالة فوز الاسلاميين بأغلبية الاصوات في انتخابات يوم 23 الجاري وسيطرتهم على مقاليد الحكم في البلاد، وان إدارة القناة كانت مدعومة من أطراف سياسية في الداخل والخارج لتنفيذ المشروع ، مما سهّل عليها اقتناء حقوق الفيلم وترجمته ودبلجته باللهجة المحلية ثم عرضه في سهرة الجمعة الماضي ، خصوصا وان «بلاد فارس» من انتاج فرنسي. وما اثار انتباه المراقبين ان الحادثة كشفت للمرة الأولى وبشكل علني تحالفات بعض الاطراف السياسية مع حركة النهضة، ومنها حزب المؤتمر من اجل الجمهورية الذي اطلق رئيسه المنصف المرزوقي على القناة اسم «نقمة»، في حين تعرضت الاحزاب المدافعة عن القناة الى حملة شرسة على شبكة الانترنت وفي المسيرات والتظاهرات التي شهدتها مناطق عدة.

سلوك استفزازي

ودانت أحزاب سياسية قيام مجموعة من المتشددين الاعتداء بالعنف على مقر قناة «نسمة» وعلى كلية الآداب والعلوم الانسانية بسوسة، مستنكرة هذه الممارسات التي وصفتها بـ«الخطيرة والدخيلة» على المجتمع التونسي. كما استنكرت أحزاب أخرى قيام القناة ببث هذا الفيلم «الذي احتوى مشاهد تجسد الذات الالهية». ورأت هذه الأحزاب ان الفيلم أثار استفزاز المشاعر الدينية وردود فعل مستنكرة لعديد التيارات الدينية الاسلامية منبهة من «السلوكات الاستفزازية» للقناة التي لا تخدم الاختلاف النزيه بين التيارات الفكرية والسياسية، بل تهدد السلم الاجتماعية ومسار الانتقال الديمقراطي.

بدورها، دانت الجمعية التونسية لمديري الصحف محاولات الاعتداء على «نسمة»، واعلنت في بيان لها رفضها المطلق للعنف كشكل للتعبير السياسي والديني والاجتماعي، مؤكدة دعمها الكلي للقناة، وعن تضامنها مع كل وسائل الاعلام.

إدانة الصمت

واستنكر اعضاء الهيئة التنفيذية للنقابة التونسية لمديري المؤسسات الاعلامية صمت العديد من الأطراف إزاء هذه التهجمات بالرغم من خطورة هذه الأحداث التي تنذر بصعوبة الوضع الاعلامي والمخاطر المحدقة به، معربين عن الأمل في ان يتحمل المجتمع المدني وكافة الفاعلين على الساحة مسؤوليتهم في حماية المؤسسات الاعلامية والعاملين بها.

ودانت الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال بشدة كل أشكال العنف ومحاولات ترويع الاعلاميين وإسكات صوتهم. وذكرت الهيئة في بيان لها بأن محاولة الاعتداء التي تعرضت لها قناة «نسمة» بعد عرضها لفيلم ومناقشته «تمثل خطرا على حرية التعبير التي تعد من ركائز الديمقراطية» مطالبة السلطات المختصة باتخاذ كافة الاجراءات الكفيلة بحماية هذا الحق وضمان حرية الاعلام.

كما طالبت الهيئة في بيانها جميع المؤسسات الاعلامية الالتزام بأخلاقيات المهنة الصحافية ومن بينها الحيادية والموضوعية والتوازن في عرض وجهات النظر، داعية الجميع الى التحلي بالمسؤولية تجاه موعد انتخابات 23 اكتوبر بما يقطع الطريق امام كل محاولة للتشويش او ارباك العملية الانتخابية.

«نسمة» تعتذر

قدمت قناة «نسمة» الخاصة وسط جدال واسع اعتذارها اول امس اثر بثها مشهد من فيلم أثار اعمال عنف قام بها سلفيون، وليطرح نقاش حساس حول الهوية العربية الاسلامية في تونس. والمشهد المثير للجدل الذي اعتبر تجديفا يمثل عجوزا ملتحيا يجسد الذات الالهية في حين ان الدين الاسلامي يحظر ذلك. وقال نبيل القروي رئيس محطة نسمة التونسية الخاصة لاذاعة المنستير: «اقدم اعتذاري. أنا آسف من جميع الاشخاص الذين انزعجوا من هذا المشهد الذي يقلقني شخصيا». واضاف القروي: «أعتبر بث هذه اللقطة غلطة ولم يكن المقصود البتة المس بالمقدسات الاسلامية». وردا على سؤال صحافي ما إذا كان مستعدا للاعتذار من الشعب التونسي رد القروي: «طبعا». واضاف قروي انه «لم يكن يتوقع ان يثير هذا العرض هذه الموجة من الاستنكار» مذكرا بأن «الفيلم تم عرضه بالكامل في وقت سابق في صالات السينما وخلال ايام قرطاج السينمائية ولم يشهد مثل هذه الردود».