مع الفيتو الروسي والصيني، خرج الملف السوري من مجلس الأمن الدولي. على الأقل حتى إشعار آخر. بعد التصويت، تحوّل الاهتمام في واشنطن نحو ما تزمع تركيا اتخاذه من خطوات، خلال الأيام القليلة المقبلة: إجراء مناورات عسكرية في المناطق المحاذية لحدودها مع سوريا وقرب إعلانها عن وجبة عقوبات ضدّ دمشق. وحرصت الخارجية الأميركية، على وضع فاصل بينها وبين هذه الإجراءات. قالت بأن تركيا تتخذ قراراتها بنفسها، أما هي فلاتزال تفضل الوصول إلى حلّ سياسي للأزمة السورية. لكن الإصرار على استصدار قرار من مجلس الأمن وإبراز واشنطن للرد التركي على الفيتو، وضع علامة استفهام حول هذا الكلام.
نكسة لأوباما
دبلوماسياً، منيت إدارة أوباما بنكسة هي الأولى من نوعها في مجلس الأمن. صحيح أن القرار قدمته مجموعة أوروبية. لكن واشنطن كانت القوة الدافعة وراءه. وبعد أشهر من التحرك والمحاولات والضغوط، عجزت عن تمرير مشروع القرار. الفيتو أثار نقمة أميركية واسعة شاركت فيها وسائل الإعلام، على الثنائي الروسي الصيني. وبالتحديد على موسكو، التي رفضت قبول أي صيغة تشير إلى عقوبات ضد سوريا؛ حتى ولو بالتلميح أو بالتهويل بها. وعزت التفسيرات هذا الموقف إلى علاقات موسكو القديمة المتواصلة مع دمشق. خاصة العسكرية. كما إلى عدم القبول بتكرار تجربة القرار الليبي. السفير الروسي في الأمم المتحدة أشار صراحة إلى ذلك. وثمة شيء من هذا القبيل.
فليس سرّاً في واشنطن بأن القرار الليبي جرى فعلاً نفخه، بصرف النظر عن الموقف من نظام القذافي والترحيب بما أدى إلى إسقاطه. وبدا من المداولات بأن الغرض من المشروع الذي أسقطه الفيتو، لم يكن بعيداً عن مثل هذه الأجواء. الغرض كان لوضع مجلس الأمن على خطّ الأزمة، بصورة تؤسس لقرارات تصعيدية لاحقة تواكب التدهور المتوقع في الوضع السوري. ومن هنا كانت الليونة في صياغة نصّ المشروع، حيث وافقت واشنطن على استبدال العديد من عباراته وإلى الحدّ الذي بقي معه «من دون أسنان»، كما جرى وصفه. المطلوب كان تمريره ولو بضبابية لا تعني أي شيء عملي سوى فتح الباب للتدويل. وهذا ما يفسّر ردّ الفعل الأميركي الغاضب على موسكو وبكين لتسببهما بتفويت هذه الفرصة.
بعد هذه الجولة، اكتفت إدارة أوباما بإعادة التأكيد على عزمها بالعودة إلى المجلس، في خصوص الملف السوري. لكن لا يبدو في المدى القريب.
الرئيس أوباما لم يأت على ذكر هذا الموضوع في مؤتمره الصحافي الأسبوع الماضي. ولا أي شأن خارجي آخر باستثناء سؤال واحد حول العلاقة مع باكستان. كل الاهتمام تصوّب نحو الوضع الداخلي والعلاقات الصعبة بين إدارته والكونغرس.
الاهتمام الداخلي
يتجه الاهتمام الآن نحو التطورات داخل سوريا، بعد ولادة «المجلس الوطني السوري» قبل أيام في اسطنبول. وقد لفتت التسمية المراقبين، حيث بدت كنسخة عن تلك التي اعتمدت في ليبيا مع بداية تجميع صفوف المعارضة هناك.
ولا يقل عن ذلك، الاهتمام بمتابعة ردود الفعل التركية المرتقبة والتي يجري تسليط الأضواء عليها في واشنطن وبصورة تعكس مدى الترحيب بها؛ لما قد تشكله من بديل ضاغط في الوقت الراهن، على الوضع في سوريا.
التصويت في مجلس الأمن يعطي دمشق فسحة جديدة، وفي ذات الوقت يضعها أمام التحدّي المتجدد، للعثور على المخرج الذي يبعدها عن كأس التدويل.
فرصة يحدّد التعامل معها المسار اللاحق للأزمة كما للعلاقات مع وبين الجوار.