لعل من أهم ما تركته زيارة رئيس الحكومة التونسية الباجي قايد السبسي إلى العاصمة الأميركية واشنطن من انطباعات لدى المراقبين، أنها جاءت قبل أسبوعين فقط من تنظيم أول انتخابات تعددية وديمقراطية بعد ثورة 14 يناير، والتي يفترض أن تنتج عنها حكومة تونسية جديدة تواصل قيادة المسار الانتقالي في مرحلته الثانية قبل الانتخابات البرلمانية والرئاسية المنتظر تنظيمها في منتصف العام 2013، اضافة إلى تأكيد الجانبين التونسي والأميركي بأن نجاح المسار الديمقراطي في تونس هو الذي سيمهد الطريق أمام بقية المسارات في دول الربيع العربي.

ويتساءل المراقبون في تونس عما إذا كان الباجي السبسي حصل على الضوء الأخضر من الإدارة الأميركية بالاستمرار في المسؤولية السياسية سواء كرئيس للجمهورية أو كرئيس للحكومة التونسية، خصوصاً وأن أطرافاً دولية سبق لها أن طلبت منه مواصلة دوره القيادي لضمان الخروج بالبلاد من مهب العاصفة الى شاطئ الأمان بعد صياغة الدستور وتنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية بعد انتهاء المرحلة الانتقالية الثانية التي سيعكف خلالها المجلس الوطني التأسيسي المنتخب على تحديد معالم الجمهورية الثانية.

وكان قايد السبسي قال في تصريحات صحافية في واشنطن، «عمري 85 عاماً وأمضيت شبابي كله في خدمة بلادي وأتمنى أن أقضي الوقت المتبقي في خدمة بلادي». وأضاف ان مسألة تولي السلطة ستثار بعد الانتخابات وأنه سينضم إلى الحكومة إذا كانت الظروف ملائمة، وهو ما يعني توجهه لمواصله القيام بدور سياسي مهم بعد 23 أكتوبر، وان هذا الدور قد يكون في موقع رئاسة الجمهورية أو في موقع رئاسة الحكومة، بعد أن يتفق الفرقاء السياسيون الممثلون في المجلس التأسيسي على ذلك.

وكان السبسي صرح في مناسبات عدة بأنه لا يريد الاستمرار في الحكم، ولكن عدداً من زعماء العالم وفي مقدمتهم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي دعوه خلال قمة الثمانية التي انعقدت بباريس يومي 26 و27 مايو الماضي، لمواصلة الاضطلاع بمهامه من أجل ضمان الرسوّ بسفينة الثورة على شاطئ الأمان، وقد جاءت زيارته لواشنطن قبل اسبوعين من انتخابات المجلس التأسيسي لتؤكد وجود مفاوضات سياسية بين أطراف سياسية داخلية وخارجية تهدف إلى استمرار الباجي قايد السبسي في هرم السلطة لضمان الحد الأعلى من التوافق بين الأحزاب والفرقاء على تجاوز المرحلة الانتقالية الثانية دون العودة إلى المربع الأول من الانفلات الأمني ومن الركود الاقتصادي ومن تهديد المنجز الثوري، خصوصاً في ظل واقع إقليمي ودولي متوتر ولا يوحي بالاستقرار.