شكّل المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر لجنة لتقصي الحقائق، واتخاذ الإجراءات الرادعة حيال كل من يثبت تورطه في الاشتباكات الدامية التي عاشتها القاهرة ليل الأحد، وأسفرت عن مقتل أكثر من 36 شخصا وأصابة ما يربو على300، بينما شدد بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية البابا شنودة الثالث ان «غرباء اندسوا» في مسيرة الأقباط هم الذين أشعلوا المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن.

وبعد اجتماع أزمة عقد ظهر أمس، أفاد المجلس العسكري (الحاكم) في بيان بأنه كلف مجلس الوزراء بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق واتخاذ الإجراءات الرادعة حيال كل من يثبت تورطه في الاشتباكات التي جرت الليلة قبل الماضية في القاهرة، وكذلك «استمراره في تحمل المسؤولية الوطنية وحفظ مكتسبات الشعب من ثورة الـ25 من يناير»، وذلك بالرغم من بعض المحاولات التي تهدف لهدم أركان الدولة ونشر الفوضى للحيلولة دون التحول الديمقراطي المنشود.

وأكد المجلس أنه «تابع مع الشعب بقلق شديد أحداث ماسبيرو، والتي شهدت تحول التظاهرات السلمية إلى أحداث دموية أوقعت ضحايا ومصابين من أبناء الشعب». وشَدَّد على حرصه على عدم التجاوب مع محاولات الوقيعة مع الشعب، مؤكداً أنه سيقوم باتخاذ التدابير اللازمة لضبط الموقف الأمني للحفاظ على أمن البلاد. وأعرب في بيان ختامه عن خالص تعازيه لأسر الضحايا وتمنياته بالشفاء للمصابين، مجددا مطالبه بعدم التجاوب مع محاولات الوقيعة بين القوات المسلحة والشعب والتي أكد مرارا على «ضرورة الحذر منها ومن آثارها الخطيرة على أمننا القومي».

 غرباء مندسون

من جهته، شدد الأنبا شنودة الثالث بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية ان «غرباء اندسوا» في مسيرة الاقباط أول من أمس، هم الذي اشعلوا المواجهات بين هؤلاء المتظاهرين وقوات الامن.

وجاء في بيان للمجمع المقدس للكنيسة القبطية الارثوذوكسية الذي عقد أمس برئاسة شنودة، وأوردته وكالة انباء الشرق الاوسط، ان البابا «ألمح إلى أن غرباء اندسوا على المسيرة وارتكبوا هذه الجرائم التى ألصقت بالاقباط». وأكد على أن الكنيسة «روعت لما حدث امام مبنى ماسبيرو، والذين خرجوا في مسيرة سلمية للتعبير عن مشكلاتهم».

وأوضح البيان عقب اجتماع البابا و70 اسقفا ان «الايمان المسيحي يرفض العنف»، وألمح إلى ان «غرباء اندسوا على المسيرة وارتكبوا هذه الجرائم التي الصقت بالاقباط». وقال ان «الاقباط لهم مشاكل تتكرر دون محاسبة المعتدين ودون اعمال القانون او وضع حلول جذرية لتلك المشاكل». وطلب بيان المجمع من الاقباط «الصوم ثلاثة ايام اعتبارا من الغد ليحل السلام في مصر».

 اجتماع الحكومة

وفي وقت سابق، عقد مجلس الوزراء المصري اجتماعا طارئا قبل الظهر برئاسة د. عصام شرف لبحث تداعيات أحداث «ماسبيرو». وذكرت وكالة أنباء الشرق الأوسط أن الاجتماع استعرض تقارير حول ملابسات الأحداث التي وقعت في ميداني عبدالمنعم رياض والتحرير والجهود المبذولة لاحتواء الوضع ومعرفة من يقف وراء تلك الأحداث. وأجرى شرف اتصالات مكثفة الليلة قبل الماضية مع قيادات الشرطة والقوات المسلحة والقيادات السياسية والكنسية وأعضاء لجنة العدالة الوطنية من أجل التدخل لاحتواء الموقف.

إلى ذلك، ناقش مجلس الوزراء مشروع قانون دور العبادة الموحد؛ تمهيدًا لأن يصدر بمرسوم عسكري لإقراره.

 تكثيف أمني

في هذه الأجواء، كثفت قوات الأمن المصرية وجودها حول المقار الحكومية والبرلمان والمتحف المصري، وأمام مبنى ماسبيرو. وقالت وكالة أنباء الشرق الأوسط إن عشرات من سيارات الأمن المركزي اصطفت على طول شارع كورنيش النيل ابتداء من منطقة بولاق أبوالعلا وحتى مبنى الحزب الوطني (المنحل)، فيما ساد الهدوء الحذر منطقة ماسبيرو. وأكد قائد الشرطة العسكرية اللواء حمدي بدين أن الهدوء عاد إلى القاهرة، مشددا على أن الوضع «مستقر».

 ووقعت بعض المناوشات البسيطة بين بضعة من الأقباط والمسلمين أمام مبنى ماسبيرو صباح أمس، عندما كان كل منهم يتجه إلى عمله؛ إلا أن أجهزة الأمن تمكنت من السيطرة عليها سريعا. إلى ذلك، قررت السلطات المصرية فرض حظر التجول من الثانية ليلا وحتى السابعة صباحا. وكانت تظاهرة خرجت في ميدان طلعت حرب بوسط العاصمة تنادي بوحدة الشعب المصري أقباطا ومسلمين.

 تحقيقات جارية

في هذه الأثناء، أعلن وزير العدل المستشار محمد عبدالعزيز الجندي، أن النيابة العسكرية هي من سيتولى التحقيق في هذه الأحداث.

وأوضح الجندي في تصريح للموقع الإلكتروني لصحيفة «الأهرام» المصرية، أن الأحداث وقعت في منطقة تعد «مسرحاً» للقوات المسلّحة، وبالتالي فإن النيابة العسكرية هي الجهة المنوط بها التحقيق. وأعلنت السلطات المصرية أنها اعتقلت ما لا يقل عن 40 شخصا الليلة قبل الماضية، فيما بدأت التحقيق مع 15 متهمًا. وأمر المحامي العام الأول للنيابة المستشار عمرو فوزي بعرض المصابين على الطب الشرعي لمعرفة سبب الإصابة والأداة المستخدمة، كما أمرت النيابة بتشريح جثث المجني عليهم. وأوضحت أن المتهمين يواجهون تهم «تكدير صفو الأمن العام وإثارة الفتنة الطائفية والقتل العمد واستعمال سلاح ناري بدون ترخيص والتعدي على رجال الأمن».

 36 ضحية و300 مصاب

وكان آخر حصيلة للأحداث الدامية التي وقعت أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون الليلة قبل الماضية أشار، بحسب وزارة الصحة، إلى أن عدد القتلى ارتفع إلى 36 قتيلا بينما بلغ عدد الإصابات أكثر من 300، بينهم 86 من قوات الأمن.

 قلق دولي ودعوة لضبط النفس

 أعربت الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي عن قلقها امس بعد المواجهات التي شهدتها العاصمة المصرية اول من امس، داعية الى ضبط النفس واحترام حقوق الاقليات.

واعرب الامين العام للأمم المتحدة بان كي مون امس عن «حزنه الشديد». واعلن الناطق مارتن نيسيركي ان بان كي مون «يدعو كل المصريين الى البقاء موحدين والمحافظة على روح التغييرات التاريخية التي حصلت في مطلع 2011». واضاف ان الامين العام «يدعو السلطات الانتقالية الى ضمان حماية حقوق الانسان والحريات المدنية للمصريين من كل الطوائف».

من جانبة اعلن البيت الابيض ان الرئيس باراك اوباما ابدى «قلقه العميق» حيال اعمال العنف الدامية، داعيا كل الاطراف الى «ضبط النفس».

وقال جاي كارني الناطق باسم اوباما «في وقت يحدد المصريون مستقبلهم، لا تزال الولايات المتحدة تعتقد انه ينبغي احترام حقوق الاقليات وبينهم الاقباط، وانه من حق جميع الناس التظاهر سلميا وممارسة ديانتهم بحرية». واضاف في بيان «حان الوقت لان يلتزم جميع الاطراف ضبط النفس ليتمكن المصريون من التقدم في صنع مصر قوية وموحدة».

وفي لوكسمبورغ حيث كان وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي مجتمعين، دعا وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ جميع الاطراف الى «البدء بحوار» مشيدا بالدعوة الى ضبط النفس التي وجهها رئيس الوزراء المصري عصام شرف.

واجمع الوزراء الاوروبيون على «ادانة اعمال العنف في مصر»، وفق ما اعلن نظيره الايطالي فرانكو فراتيني على هامش الاجتماع.

واعتبر وزير الخارجية الالماني غيدو فسترفيلي ان «مهمة السلطات المصرية، مدنية وعسكرية، تكمن في ضمان تمكن الناس من ممارسة ديانتهم بحرية، بمن في ذلك المسيحيون».

واكد نظيره الفرنسي الان جوبيه ان احترام الاقليات الدينية هو «خط احمر» يجب عدم تجاوزه.

بدورها، تحدثت وزيرة الخارجية الاسبانية ترينيداد خيمينيث عن «وضع يثير القلق».