منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي جرت في اليمن العام 2006 أظهرت أحزاب المعارضة أنها لاتزال اللاعب الرئيسي في الساحة وأنها تمتلك القدرة على التأثير في حشد وتوجيه مئات الآلاف من الجماهير, وقد زاد من هذه القوة تمكنها من إدارة الحركة الاحتجاجية التي تطالب بإسقاط نظام حكم الرئيس علي عبدالله صالح والتحكم في مسارها مدة تسعة شهور حتى الآن.وإذا ما أخذنا بالاعتبار أن حزب المؤتمر الشعبي الحاكم يستند في قدرته على الحركة على إمكانات الدولة وشخص الرئيس صالح، فان العملية السياسية في البلاد لايمكن الإقرار بصوابية مسارها خصوصا مع استمرار حركة الاحتجاجات واندلاع بؤر للعنف المسلح في أكثر من منطقة لكن ما يحسب لهذه الأحزاب هو أنها كانت الأكثر فاعلية مقارنة مع ضعف الأدوات الحزبية في أكثر من بلد عربي شهد مثل هذه الانتفاضة الشعبية, خصوصا مصر وتونس وسوريا وليبيا. صحيح أن برامج الأحزاب السياسية في اليمن لاتختلف كثيرا عن بعضها البعض حيث كان حزب الإصلاح الذي يقود المعارضة مستندا إلى منهج الإخوان المسلمين كان هذا الحزب حتى 20 عاما خلت مكوناً رئيسياً لحزب المؤتمر الشعبي وهو من وضع برنامجه السياسي وكذلك الحال مع التنظيم الناصري والحزب الاشتراكي اللذان يتقاسمان رؤى سياسية واقتصادية متقاربة لكنهما في النهاية يلتقيان مع المؤتمر الشعبي وحزب الإصلاح في الالتزام بدولة دينية كل أحكامها تقوم على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع.
تفوق
وحيث أن من الإنصاف الإقرار بتفوق الحركة الإسلامية وامتلاكها للأداة السياسية النشطة والقدرات المالية والخطاب الديني القادر على كسب الأنصار في مجتمع شديد المحافظة كالمجتمع اليمني القبيلة لا تزال احد الأشكال الاجتماعية التي تتحكم بتوجهاته وولاءاته ونسبة 70 في المئة من سكانه يعيشون في الأرياف بعيدين عن تأثير وسائل الاتصال الحديثة والمسجد يشكل الأداة الوحيدة للتخاطب مع جمهور نسبة الأمية فيه تصل إلى أكثر من 60 في المئة من سكانه.
حرب وجود
أما الحزب الاشتراكي الذي لا يزال يلملم جراحه جراء الحرب التي شنها حكم الرئيس صالح عليه في العام 1994 وإخراجه من السلطة بالقوة ومصادرة ممتلكاته ومقراته وتسريح كل موظفي الدولة التي كان يحكمها في جنوب البلاد فانه يواجه اليوم بحرب تستهدف وجوده من قبل أطراف فاعلة في الحراك الجنوبي وخصوم اختلفوا معه وقاتلوه عندما امسك بزمام السلطة في جنوب البلاد عند استقلاله عن الاستعمار البريطاني في العم 1967, حيث تتبنى هذه الأطراف الدعوة لانفصال جنوب البلاد ونزع هويته اليمنية وتحمل الحزب المسئولية عن قرار الدخول في الوحدة مع الشمال وتريد محاكمة تاريخه وتمسكه بالهوية اليمنية للجنوب.
الحزب الذي أصبح اليوم ملجأ للنخبة الثقافية والعلمانية التي تتطلع إلى بناء دولة متجردة من الالتزامات الدينية التي كانت سببا للصراع المذهبي العنيف الذي طبع مئات السنين من تاريخ اليمن الحديث والمعاصر وجد نفسه محاصرا بين حكم الرئيس صالح وخصومه السابقين لكنه تمكن من البقاء كرقم صعب في المعادلة السياسية وفي أي تسوية, خصوصا بعد ان جعل القضية الجنوبية في سلم أولوياته و اقنع شركاءه في المعارضة بتبني هذه القضية والدعوة لحلها حلا عادلاً.ومع دخول الاحتجاجات الشعبية شهرها الثامن وجدت الأحزاب السياسية نفسها في تحد كبير أمام الملايين الذين خرجوا إلى الشوارع والساحات للمطالبة بدولة مدنية حديثة, خصوصا بعد انشقاق جزء كبير من التركيبة القبلية والتقليدية في نظام حكم الرئيس صالح وانضمامها إلى الحركة الاحتجاجية, كما أن حزب المؤتمر الحاكم أصبح يواجه تحدي البقاء في المنظومة السياسية إذا ما غادر الرئيس موقع السلطة وفقدانه السيطرة على الوظيفة العامة وخزينة الدولة التي كان يعتمد عليها في الحشد وكسب المناصرين.