كل الناس في الجزائر يعلمون أن أحزاب الحلف الرئاسي الثلاثة التي تحتكر حقائب الحكومة لا تحكم، وكلهم يعلمون أيضا أن الأحزاب الأخرى التي توجد خارج هذا الحلف ليست معارضة.. هذا هو الانطباع العام لدى قسم كبير من الجزائريين. الأولى علقت بالرئيس عبدالعزيز بوتفليقة واعتنقت برنامجه نهجا ومهمات ولا تتحدث الا بلسانه متخلية عن كل تفاصيل برامجها.
ولئن كان هذا منتظرا من جبهة التحرير والتجمع الديمقراطي كونهما نتاج زواج بين الإدارة والجيش، فان الغريب أن "حركة مجتمع السلم" وهي فرع حركة الإخوان المسلمين العالمية اتخذت المنهج نفسه، فلا برنامج لها غير ما يريد الرئيس وما يقرر الرئيس، ولا خطاب لها الا محتوى خطب الرئيس.أحزاب الحلف الرئاسي أو التحالف الرئاسي تسميها العامة «أحزاب التعالف»، على اعتبار أنها تتقاسم المناصب والثروة التي توفرها المناصب، وهي من تشرف على صرف الأموال المخصصة لبرامج الإنماء في البلديات والولايات، كما أنها تشغل أغلبية مقاعد البرلمان وتنال نسبة 80 في المئة من الغلاف المالي المخصص لأجور النواب. ومثلها من الأموال المخصصة لأجور أعضاء المجالس المحلية.
الأحزاب الثلاثة وهي الأكبر في البلاد بمقياس الوعاء الانتخابي جمعت معا 2.5 مليون صوت في الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2007 من مجموع 20 مليون مسجل على اللوائح، أدلى 36 في المئة منهم بأصواتهم حسب الرقم الرسمي، وقاطع الانتخابات 64 بالمائة. وتملك جبهة التحرير الوطني أغلبية في البرلمان بمجموع 1.3 مليون صوت، أي أنها كسبت صوتا واحدا من بين كل ثمانية أصوات دخلت صناديق الاقتراع، وصوتا واحدا من بين كل 19 مسجلا على القوائم الانتخابية. مع ذلك فرحت الأحزاب الثلاثة لأنها انتصرت على المقاطعين، وثبّت الرئيس بوتفليقة ومعه المجلس الدستور النتائج، ومنها يحق لهذا البرلمان إصدار قوانين تطبق على الجميع، وحصول أعضائه على أجور هي الأعلى في البلاد، إذا استثنينا أجور الرئيس والوزير الأول والضباط السامين في الجيش والمخابرات التي لا يعرفها احد. الحلف الحاكم هو اكبر الأقليات إذن بالقياس على الأغلبية المقاطعة. باستثناء من ينتفعون من هذه الأحزاب وهم أعضاء فيها يتصارعون حتى الدم كل خمس سنوات حول الترشح للانتخابات والحصول على المزايا، لا يوجد في الجزائر من يتابع نشاطها أو يهتم بها، وهي أيضا لا تهتم بالناس إلا وقت الحملات الانتخابية التي تبرر صرف الأموال و نتائج الاقتراع.
وبمقابل أحزاب الائتلاف التابعة للرئاسة يوجد نحو 40 حزبا بعضهم يطلق على نفسه اسم المعارضة، والبعض الآخر يسير في فلك احزاب الحكم. وأهم احزاب المعارضة جبهة القوى الاشتراكية، وهي خارج المؤسسات الرسمية باستثناء المجالس المحلية لمنطقة القبائل، والتجمع من اجل الثقافة والديمقراطية الموجود في البرلمان بتسعة عشر نائبا. أما الجبهة الوطنية (21 نائبا) فارتبطت في حلف غير معلن مع جبهة التحرير، وحزب العمال (26 نائباً) تحالف مع التجمع الديمقراطي للوزير الأول احمد أويحيى. وباقي الأحزاب مجهرية بينها إسلامية وعلمانية ويسارية تظهر عادة في المناسبات الانتخابية للدعاية وكسب الأقساط المالية وتدخل في سبات عميق خمس سنوات.
أحزاب المعارضة وشبه المعارضة هذه لم تجد أيضاً طريقاً لقلوب الناس. بل صارت محل استهتار واستهزاء من الجميع. ويمكن القول إن الجزائر لا تمتلك معارضة حقيقية كما لا تتوفر على حكم حزبي حقيقي، مع أن كل المؤسسات نتاج انتخابات تشارك فيها أحزاب بلا برامج تردد الخطاب نفسه منذ أكثر من 20 عاما شهدت فيها الجزائر حربا داخلية شرسة خلفت بحسب التقدير الرسمي 200 ألف قتيل ودمارا اقتصاديا فاق 40 مليار دولار، فضلا عن الانكسار العام للنسيج الاجتماعي.