فيما يوصف بـ«تسونامي» الحزبي في مصر عقب الثورة، شهدت الساحة السياسية ظهور عدد كبير من الأحزاب الشبابية من مختلف القوى، وسط إقبال كبير من الشباب عليها، أملا في أن تعبر تلك الأحزاب عن روح الثورة التي تحلو بها، والتي كان لها الفضل في الإطاحة بنظام مبارك، ساهم في نشأة تلك الأحزاب السيولة التي وفرها قانون الأحزاب الجديد، والذي مثل نقطة تحرر من قيود النظام السابق على نشأة الأحزاب.ورغم عزوف الشباب المصري قبل ثورة الـ25 من يناير عن الانضمام إلى أحزاب.

وعن الحياة الحزبية بشكل عام، إلا أن عشرات الآلاف من هؤلاء الشباب وجدوا أنفسهم يتجهون نحو الانضمام أو إنشاء أحزاب جديدة تعبر عن ثورتهم بعد أن اعتبروا الأحزاب القديمة «غير ممثلة لهم»، مستغلين التعديلات التي أدخلت على قانون الأحزاب السياسية في مصر لتأسيس أحزابهم الجديدة.

 

قانون الأحزاب

ويرى مراقبون أن التعديلات التي أدخلت على القانون الجديد شكلت نقطة تحول في إقبال آلاف الشباب على تأسيس أحزاب جديدة تنطلق من روح ثورتهم، ومن أهم تلك التعديلات، أن يكون للحزب اسم لا يماثل أو يشابه اسم حزب قائم، بالإضافة إلى عدم تعارض مبادئ الحزب أو أهدافه أو برامجه أو سياساته أو أساليبه في ممارسة نشاطه مع المبادئ الأساسية للدستور أو مقتضيات حماية الأمن القومي المصري أو الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والنظام الديمقراطي، كما حظر قانون الأحزاب الجديد في مصر قيام الحزب في مبادئه أو برامجه أو في مباشرة نشاطه أو في اختيار قياداته وأعضائه على أساس ديني أو طبقي أو طائفي أو فئوي أو جغرافي أو بسبب الجنس أو اللغة أو الدين أو العقيدة.

كما شدد القانون على عدم انطواء وسائل الحزب على إقامة أي نوع من التشكيلات العسكرية أو شبه العسكرية، وكذلك عدم قيام الحزب كفرع لحزب أو تنظيم سياسي أجنبي، مع ضرورة علانية مبادئ الحزب وأهدافه وأساليبه وتنظيماته ووسائل ومصادر تمويله، وبالنسبة لمن يقوم بتأسيس أي حزب مصري جديد اشترط القانون أن يكون مصريًّا، فإذا كان متجنسًا وجب أن يكون قد مضى على تجنسه 5 سنوات على الأقل، ومع ذلك يشترط فيمن يشترك في تأسيس الحزب أن يتولى منصبًا قياديًا فيه أن يكون من أب مصري.

 

أحزاب جديدة

ويغص الشارع السياسي في مصر بعشرات الأحزاب الشبابية، ومن بينها «حزب مصر الكنانة»، «حزب المجد» وهو حزب بدأ إجراءات تأسيسه في مارس 2011، بالإضافة إلى «حزب مصر الحرة» الذي بدأت إجراءات تأسيسه في فبراير 2011، عندما أعلن رئيسه د.عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق عن تأسيس حزب سياسي.

وأيضا من الأحزاب السياسية الجديدة «حزب أبناء مصر» وهو حزب من تأسيس مجموعة من الشباب والذي يرأسه أكرم أبو النصر، بالإضافة إلى أحزاب «ثوار التحرير»، و«الكرامة» الذي يرأسه حمدين صباحي المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية، و«حزب الإصلاح والتنمية» الذي يرأسه محمد أنور عصمت السادات. وينضم لقائمة هذه الأحزاب «الحزب الليبرالي»، و«المصري الديمقراطي الاجتماعي»، و«النهضة» وهو حزب أسسه المحامي الإسلامي ممدوح إسماعيل.

وكذلك أحزاب «التغيير»، و«نهضة شباب مصر»، و«الاتحاد المصري»، و«شباب الثورة»، و«النهر الجديد»، و«القومي المصري»، ثم «النور» وهو أول حزب للسلفيين في مصر، بالإضافة إلى أحزاب إسلامية أخرى مثل «الحرية والعدالة» وهو الحزب الذي يمثل الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، وأيضا «حزب الوسط المصري» وهو حزب يقدم أفكارًا تجمع بين الأفكار الإسلامية والأفكار العروبية، وأحزاب «الفضيلة» و«الأصالة» و«الإصلاح» و«النهضة» وهي أحزاب إسلامية معتدلة.

 

مرحلة انتقالية

وبحسب الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية د.عماد جاد فإن مصر تعيش «مرحلة انتقالية» في غاية الأهمية. ويؤكد أن هذه المرحلة ستحدد مستقبل البلاد خلال الفترة المقبلة. وأضيف أنه «من المفترض أن تشهد هذه المرحلة مولد عدد من الأحزاب الجديدة تعبر عما يجري في الشارع من حراك سياسي واقتصادي واجتماعي».

ويرى جاد أن دور الأحزاب في هذه المرحلة يعد «غاية في الأهمية». ويعتبر أن الأحزاب هي «أهم شكل ديمقراطي للتعبير السياسي». ويشير في الوقت نفسه إلى أن «الساحة السياسية شهدت خلال الفترة الماضية إعلان قوى سياسية عزمها التحول إلى أحزاب، منها ما هو ينطلق من خلفية إسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين، والجماعة الإسلامية والسلفيين والصوفيين، ومنها ما يعتمد في الأساس على حركات سياسية لم تحصل على شرعية في السابق مثل: الجمعية الوطنية للتغيير، وحركة كفاية، وتنظيم «الاشتراكيون الثوريون»، وغيرها من الجماعات السياسية التي لعبت دورًا كبيرًا في تحريك الشارع إبان الثورة وما تلاها.

ويرى الباحث بمركز الأهرام أن الفكر الشبابي انتقل إلى الأحزاب القديمة مثل: «الوفد» و«التجمع» و«الناصري»، حيث تشهد هذه الأحزاب تحركات شبابية تدعو إلى «تغيير القيادة وفتح الباب أمام قيادات جديدة تكون قادرة على تولي زمام الأمور في هذه المرحلة الصعبة».من جهته، يرى رئيس حزب مصر القومي طلعت السادات، أن هناك تخوفات من ظهور مئات الأحزاب، بعضها لن يحظى بأي تمثيل برلماني.

ويوضح السادات أن أي انتخابات مقبلة في ظل حالة السيولة الحالية في الحياة الحزبية «لن تمنح أي حزب مهما كان حجمه وقوته الحصول على أغلبية برلمانية بمفرده». ويعرب عن تخوفه من أن تشهد مصر حالة من عدم الاستقرار السياسي لأعوام في ظل حكومات ائتلافية، لكن حتى هذه الحكومات الائتلافية وممارساتها السياسية والبرلمانية ستؤدي في النهاية إلى ما سماه «حالة فرز»، ومن ثم ظهور حزبين أو ثلاثة أحزاب كبيرة على الساحة السياسية كما هو الحال في معظم أنحاء العالم المتقدم ديمقراطيًا.

 

تسييس الشارع

 

يرى الكاتب الصحافي صلاح عيسى أن الأحزاب الشبابية الجديدة ستواجه تحديات عديدة عندما تتحرك في الشارع؛ بسبب قلة خبرتها في التعامل مع الجماهير بشكل يومي. ويشير عيسى إلى أن خبرة تلك الأحزاب فيما سماه «تهييج الجماهير أو حتى بالتعبير السياسي الرزين تعبئة الشارع في مظاهرات مليونية»، يختلف عن التعامل اليومي مع الشارع وإعادة تسييس المصريين المشغولين بالأساس في البحث عن لقمة العيش، خاصة وأن معظم من خرجوا إبان الثورة التي أسقطت نظام مبارك كان هدفهم هو تحسين مستوى المعيشة والبحث عن حياة أفضل دون أية طموحات سياسية.