استطاعت قضية الإيداعات المليونية أن تقسم الشارع الكويتي إلى «فسطاطين»: الأول وهو من يطالب بالكشف عن أصحاب الأرصدة المتضخمة ومصدرها، والثاني من لزم الصمت تجنبا للعاصفة التي لم تشهد الكويت مثيلا لها من قبل، وستؤدي إلى إنهاء المستقبل السياسي للعديد من الشخصيات التي يثبت تورطها برشوة الملايين!.
وبينما تسارعت وتيرة البلاغات المقدمة إلى النيابة العامة ضد الحسابات النيابية المتضخمة، بدأ النواب الذين يشتبه بتورطهم في تلك القضية بمساع حثيثة من أجل الضغط باتجاه تسريع التحقيقات التي تجريها النيابة العامة في بلاغات البنوك، قبل بداية دور الانعقاد المقرر نهاية الشهر الجاري، في خطوة تهدف إلى رفع الحرج عنهم، كي لا يتم تداول الأسماء إعلامياً من خلال طلب رفع الحصانة عبر اللجنة التشريعية البرلمانية، إضافة إلى عدم توثيق الأسماء في سجلات المجلس واللجنة، وهو الأمر الذي قد يجهز على مستقبلهم السياسي.
ولعل توحد الكتل النيابية: التنمية والإصلاح والعمل الشعبي والعمل الوطني، وإعلانها صراحة بالمضي حتى الكشف عن من يقف وراء تلك الإيداعات، وعن الفواتير التي دُفعت من أجلها، وإيقاف العبث بالمؤسسة التشريعية (مجلس الأمة) زاد من «الخناق» على حكومة الشيخ ناصر المحمّد، التي وإن أكدت على لسان رئيسها بمجابهة أي استجواب قادم، إلا انه ومن خلال التجارب السابقة فإن خيارات التعامل الحكومي مع الاستجواب أصبحت معروفة سلفا، فإما التأجيل عبر اللجنة التشريعية والمحكمة الدستورية، أو المواجهة عبر جلسة سرية وهو الأكثر كلفة.
إذ يعني كشف الأسماء النيابية المتهمة في الإيداعات المليونية، أو خيار الاستقالة لتجنب تداول القضية، وهو ما يعني الاعتراف بالوقوف وراء الإيداعات والهروب من المواجهة، وجميعها سيبقي الجو السياسي مشحونا، خاصة وان الإيداعات المليونية وضعت السلطتين التشريعية والتنفيذية، في دائرة الاتهام وبالتالي فإن التعامل معها يجب أن يكون بصورة تعيد الثقة، وتزيل الريبة التي أحاطت بشخصيات عديدة، خاصة في ظل شائعات تروّج يوميا عن هدايا ملايين الدنانير لأشخاص كان من المفترض أن يكونوا ممثلين للأمة.
الخيارات المتوقعة
غير أن هذه المرة ونتيجة «غليان» الشارع وجدت الكويت نفسها مرة أخرى أمام مفترق طرق تتلخص في، إمّا الإبقاء على الوضع كما هو عليه في حال لم يحصل المعارضون على تأييد 25 نائباً لعدم التعاون ومحاولة العبور بالأوضاع إلى حين انتهاء الفصل التشريعي، وهو مستبعد خاصة وأن أعداد النواب الذين يؤيدون عدم التعاون مع رئيس الحكومة في تزايد وبات قريبا من الرقم المطلوب، فيما يتمثل الخيار الثاني باستقالة الحكومة، لتهدئة الشارع الغاضب حتى انتهاء التحقيقات، بينما يكون الخيار الثالث عبر حل المجلس والدعوة لانتخابات تأتي بمجلس جديد وحكومة جديدة.
وما المناشدات التي أطلقها النواب والسياسيون والمتظاهرون لأمير الكويت، بالتدخل وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، عبر حل المؤسستين التشريعية والتنفيذية، واختيار رئيس وزراء جديد، أو شعبي لإنهاء الاحتقان السياسي الذي تعيشه الكويت منذ سنوات، إلا دليل على اتفاق الأطياف على ضرورة التغيير، فالقضية باتت أكثر تعقيداً، وأن أي قرار سيتخـــذ سيكون بالتأكيـــد قراراً مصيرياً.