كان من اللافت في الأيام الماضية أن تبدي واشنطن تفهمها ولو الملتوي، لما تردّد عن لجوء المعارضة السورية إلى العنف. موقف غير مسبوق، رأى فيه المراقبون مؤشراً يتجاوز المناورة ويؤشر إلى تحوّل نوعي في التعامل مع الوضع السوري. وكذلك انزلاق الوضع السوري نحو الأخطر، فعلى ما يبدو لم تعد إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تربط دعمها للمعارضة بسلمية تحركها وممارساتها، كما التزمت به من البداية. وبذلك، فتحت الباب لتصعيد يواكب تزايد التأزم المتوقع على الأرض. تعزو الإدارة هذا التحوّل، الذي كشفت عنه وزارة الخارجية الأميركية إلى «التغيير الذي تشهده دينامية الأحداث». فما ذكر عن تشكيل مجموعات مسلحة من بعض الفئات ومن عسكريين منشقين، هو «تطور طبيعي» في ضوء «استمرار القمع»، وبالتالي فالإدارة ليست معنية بنهي المعارضة عن استخدام السلاح، لأن المسألة «دفاع عن النفس». كلام أثار تأويلات كثيرة في واشنطن، واستحضر الشريط الليبي الذي بدأ بتمهيدات مشابهة، انتهت بالتدخل المعروف.

لوقف اللغط في هذا الخصوص، حاولت الخارجية الأميركية أول من أمس، استدراك الأمر من خلال التأكيد على أهمية «الحل السياسي» و«هذا ما نريده لأنه ليس هناك حلّ عسكري للأزمة في سوريا». لكن الناطقة الرسمية في الخارجية رفضت الرد على سؤال بشأن موقف الإدارة «لو قررت المعارضة حمل السلاح»، باعتبار أنه سؤال «افتراضي».

لكن الاستدراك لم يضع حدّاً لعلامات الاستفهام. لاسيما وأن التلميحات في هذا الاتجاه تزامنت مع تصريحات وتحركات تعزّز الاعتقاد بأن توليفة دولية معينة يجري إعدادها للتعامل مع الساحة السورية المرشحة، حسب التوقعات، لتطورات دراماتيكية على الأرض. فالإدارة تؤكد أن خطوطها مفتوحة مع كل أطراف المعارضة السورية ومنهم جماعة «الإخوان المسلمين». وذكرت معلومات أن الاتصالات مع الجماعة انطلقت من «الالتزام بحكم الدستور ومبدأ المشاركة والنأي عن السياسات الثأرية».

مشاريع القرارات

بموازاة التواصل الأميركي مع أطراف المعارضة والتلميح بدعم خياراتها اللاحقة، بدأت مشاريع القرارات الخاصة بسوريا تتدفق على مجلس الأمن. الأوروبيون ومن خلالهم واشنطن، تقدموا أمس بمشروع آخر أشدّ من الأول. من جهة لفرض عقوبات دولية على دمشق. ومن جهة ثانية لفتح باب مجلس الأمن أمام قرارات أوسع، عندما يحين وقتها.

رفض التدخل

موسكو الخبيرة في لعبة مجلس الأمن، سارعت إلى تقديم مشروعها، الذي شدّدت من خلاله على رفض التدخل الخارجي في الأزمة السورية. وبذلك بدأت المعركة حول تدويل الوضع السوري. نتيجتها تتقرّر، كما تفيد التجارب السابقة، في ضوء الوجهة التي تأخذها الأحداث على الأرض السورية. وفي هذا الخصوص، ترسم التقارير والتوقعات صورة من شأنها، إن صحّت، أن تساعد وتعزز الهجوم الجاري من بوابة مجلس الأمن. فالمعلومات المتداولة في واشنطن، تدور حول ترجيح كفة خيار المقاومة المسلحة «من المعارضة والعناصر العسكرية المتمردة»، وبما يؤدي إلى اندلاع «حرب أهلية» تفيض إلى الجوار؛ بحيث «يصبح التدخل الخارجي مسألة تحصيل حاصل». يتردد كلام كثير من هذا النوع، تواكبه تقارير عن «مخاوف الأقليات»، كما عن الحاجة إلى «شريط آمن» داخل سوريا لاحتضان المنشقين والهاربين.

وبحسب القراءات الأميركية الراهنة، دخل الوضع السوري في طور جديد مفتوح على مخاطر جمّة. قد يكون تقديراً مبالغاً فيه. لكن ما ليس فيه مبالغة، أن سوريا تعيش أزمة عاتية. تنفيسها من الداخل يكفل عدم التدخل الخارجي.