لدى جزيرة «غرانادا» الصغيرة الواقعة في البحر الكاريبي عدد سكان يقل عن بلدة في وسط إسرائيل، لكن كلا من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو والرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز ووزير خارجيته أفيغدور ليبرمان، خصصوا وقتا لرؤية وزير خارجيتها كارل هوود، خلال زيارته الأخيرة لإسرائيل، والسبب وراء ذلك ليس عصيا على الإدراك، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن غرانادا تحتفظ بصوت في الجمعية العمومية للأمم المتحدة تماما كما الصين أو الولايات المتحدة، ويتعين عليها اتخاذ قرار بشأن تصويتها في الأمم المتحدة عندما يطرح الرئيس الفلسطيني محمود عباس قضيته بخصوص الاعتراف بالدولة الفلسطينية في نيويورك نهاية هذا الشهر.
وكان يمكن ان تتعامل إسرائيل مع الخطوة الفلسطينية بالتوجه إلى الأمم المتحدة بالمزيد من عدم المبالاة. وكان بإمكانها ان تنظر إلى اعتراف "الأمم المتحدة"، أو بتعابير أدق منح السلطة الفلسطينية وضع "دولة غير عضو" مثل الفاتيكان، على أنها خطوة لن تغير قيد أنملة من "الحقائق على الأرض" في الضفة الغربية المحتلة، مرددة قولها إن اتفاقية يجرى التفاوض بشأنها هي الوحيدة الكفيلة بتحقيق ذلك.
الدوران حول المشكلة
ويصح القول إنه توجد مخاطر دولية حقيقة على إسرائيل في قرار دولي من هذا النوع، بما في ذلك السماح للفلسطينيين بالتقدم بشكاوى حول الحرب على غزة، على سبيل المثال، إلى محكمة الجنايات الدولية، لكن الفلسطينيين أنفسهم قد يصبحون عرضة لمثل هذه الشكاوى أيضا، لذا، كان من الممكن إيجاد بديل لمعارضة إسرائيل الصريحة تلك بالتفاوض على طريقة للدوران حول المشكلة. وكان يمكن إرضاء إسرائيل من خلال قيام السلطة الفلسطينية، التي تتسم بالاعتدال، بإعادة تأكيد التزامها بحل الدولتين بالطرق الدبلوماسية، وهو المبدأ الذي لا تشاركها فيه حركة حماس، وتضمينه في عضوية الأمم المتحدة.
العودة إلى الصدارة
لكن إسرائيل لم تتعامل مع الأمر بلامبالاة، بل شرعت في حملة ضغط عالمية شرسة بدعم أميركي، وهو كان متوقعا في المسار الطويل للسباق نحو الانتخابات الرئاسية، ليس لضمان هزيمة القرار الفلسطيني فحسب، وإنما أيضا لضمان قيام أكبر عدد من الدول الصديقة بالتصويت ضده. ولقد تحدثت دوائر في المؤسسة السياسية الإسرائيلية عن استعدادات مكثفة لمواجهة أعمال عنف تقول إنها على الأرجح ستنطلق خلال المداولات في الأمم المتحدة. وبدأ الوزراء في حكومة نتانياهو اليمينية النظر في خطط للانتقام من خلال إيقاف التعاون مع الفلسطينيين، الذي خدم إسرائيل بشكل مقبول تماما كما خدم السلطة الفلسطينية على امتداد السنوات الثلاث الأخيرة.
ونتيجة لذلك جزئيا، فإن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي طغت عليه أحداث الربيع العربي من المرجح أن يعود إلى صدارة الأحداث في الأسابيع المقبلة، وذلك بطريقتين: الأولى من خلال التحركات الدبلوماسية التي تجريها اللجنة الرباعية الدولية الخاصة بالشرق الأوسط، أي أميركا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا، حيث يوجد مبعوثها رئيس وزراء بريطانيا الأسبق طوني بلير الآن في القدس، مفوضا من قبل واشنطن لمحاولة جلب الطرفين إلى طاولة المفاوضات لمحادثات مباشرة توقف ذهاب الفلسطينيين إلى نيويورك. لكن حتى لو تخطى بلير التوقعات من خلال إعادة المفاوضات بطريقة ما، فإن افضل ما يأمله هو ربما تلطيف الأجواء للخطوة الفلسطينية في الأمم المتحدة بدلا من إيقافها كليا.
جدل محتدم
وهذا يترك التساؤل حول كيفية تعامل الأوروبيين مع الضغط الإسرائيلي والأميركي للتصويت ضد الفلسطينيين في نيويورك، وهذه قضية تثير الجدل المحتدم داخل أوروبا وما بين حكوماتها. لنأخذ على سبيل المثال، وجهة نظر نيك كلغ حيال هذه الصراع، حيث إنه من المرجح أن يضغط على رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عندما تحين الساعة للبقاء منفتحا تجاه المبادرة الفلسطينية. ولفترة من الزمن، بدت كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا متحدة وراء صيغة تترك قضية الاعتراف الثنائي بفلسطين من قبل الأوربيين إلى وقت مناسب في المستقبل، لكن الآن حتى هذا يبدو موضع شك، بسبب تخوف ألمانيا التي تبدو متوترة لأسباب تاريخية من إزعاج إسرائيل.
والتركيز الآخر سوف يكون على إمكانية اندلاع أعمال عنف حقيقية، وهناك احتمال دوما أن تتمكن حلقة المظاهرات غير المسلحة التي تتحول إلى اشتباكات كما يحدث في بعض قرى الضفة الغربية كل أسبوع من الانتشار والتفاقم لتصل إلى نتائج غير متوقعة.
وهذا الوضع سيتفاقم إذا مضى الكونغرس الأميركي بتهديداته بقطع التمويل عن السلطة الفلسطينية، وبالتالي المعاشات عن موظفيها.
والرئيس عباس لم يتعرض لانتقادات من إسرائيل فقط، ففي الجهة الأخرى هناك جماعات ضغط مؤيدة للفلسطينيين تقول إن عضوية السلطة الفلسطينية في الأمم المتحدة سوف تضحي بأولوية منظمة التحرير الفلسطينية، ونتيجة لذلك، بمصالح اللاجئين في الشتات. وفي الحقيقة، لا يوجد شيء يوقف اعتراف الأمم المتحدة بالدور التاريخي لمنظمة التحرير الفلسطينية التي يترأسها الرئيس عباس. وليس سهلا أيضا رؤية كيف سيؤثر الأمر على المفاوضات بشأن موقع اللاجئين.
لن يكون الأمر سهلا، لكن بالنسبة للرئيس الفلسطيني، فان التراجع الآن سيضعف موقعه وموقع السلطة الفلسطينية التي هي أكثر استعدادا لقيام الدولة من أي وقت مضى. وباستثناء إذا استطاع بلير، بطريقة من الطرق، العمل على معجزة في اللحظة الأخيرة ، فإن تراجع الرئيس الفلسطيني لن يكون في مصلحة الفلسطينيين، أو حتى إسرائيل نفسها على المدى الأبعد.
خيبات أمل
من غير المرجح أن يكون النداء الموجه إلى الأمم المتحدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، حيث قلة من الموجودين في الضفة الغربية لديها أوهام حيال نتائجه. بل الخطر الحقيقي ينبع من تزايد خيبات الأمل من عدم التقدم، بعد سنتين من بناء الدولة المشهود له دوليا، لاسيما خيبة أمل القوات الأمنية التي حافظت على الهدوء خلال السنتين الماضيتين، وبدأ أعضاؤها يتساءلون الآن عن موعد رؤية الدولة التي أملوا بقيامها وتلقوا تدريبهم لكي يصبحوا ذراعها الأمني.
