وصلت معركة طلب العضوية لفلسطين كدولة في الأمم المتحدة، إلى جولتها الأخيرة؛ من دون أن تتبلور نهاياتها على وجه اليقين. كل ما بات في حكم المؤكد، أن الجانب الفلسطيني المدعوم بموقف عربي، قرّر المضي في هذا الخيار. لم يعد في وارد التراجع ولا هو قادر عليه. أدركت واشنطن ذلك. وهي تتحرك، في الآونة الأخيرة، على هذا الأساس. وبذلك، انتقلت من موقع السعي لمنع وصول هذا الملف إلى الأمم المتحدة، إلى العمل على التحكم بصيغة ولوج هذا الباب لضبط مفاعيله قدر الإمكان. أي إلى العمل على تقزيم الطلب لتقليل الخسائر لها ولإسرائيل.

وما ليس واضحاً حتى اللحظة، هو أي سيناريو سيرسو عليه هذا التوجه. لعبة العضّ على الأصابع في ذروتها. إدارة الرئيس باراك أوباما تلعب أوراق الساعة الأخيرة بمزيج من المغريات والضغوط. تواصل التلويح بالفيتو في مجلس الأمن. و«الكونغرس» يشهر سيف قطع المساعدات لو مضت رام الله بمشروعها. ناهيك عن هدير التهديدات الفجّة الصادرة عن إسرائيل. منذ أن طرح هذا البديل، قبل أشهر، سارعت الإدارة الأميركية إلى تطويقه. راهنت على نهي الجانب الفلسطيني عنه عبر التحذير من انعكاساته السلبية على علاقاتها مع السلطة كما عبر تقديم صيغ دارت كلها حول العودة المعروفة نهاياتها إلى الطاولة. لم تعط تعهدات بشأن بناء المستوطنات أو التزمت بسقف زمني للمفاوضات. المفاوض الفلسطيني حضر أكثر من مرة إلى واشنطن والتقى وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أو معاونيها ليخرج بخفي حنين.

مسرحية وتوهج

تسمرت واشنطن عند مقولة ان «لا دولة إلا عبر المفاوضات وطريق الأمم المتحدة يؤدي إلى عواقب سلبية». نسخة طبق الأصل عن الاسطوانة الإسرائيلية المشروخة. وحكومة الليكود راهنت على قدرة واشنطن لتنفيس «مسرحية» الذهاب إلى الأمم المتحدة. حساب خاطئ، لأن مثل هذه القدرة «لم تعد ميسورة في زمن توهّج الرأي العام العربي»، كما قال أحد كبار المحللين. ومع دخول سبتمبر وتعذر ثني السلطة الفلسطينية عن التخلي عن هذا المسار، انفتح «بازار» المساومة بشأن الصيغة. التركيز الأميركي اخذ وجهتين: من جهة، حمل رام الله على صرف النظر عن طرق باب مجلس الأمن وحصر المسعى بالتالي في الجمعية العمومية. ومن جهة ثانية، العمل قدر الإمكان على تقليص دائرة الوضعية والامتيازات التي يمكن أن تقررها الجمعية لفلسطين في المنظمة الدولية.

 

عصفوران بحجر

عندما بدا في الأيام الأخيرة أن محاولة النهي لم تفلح وأن العملية سائرة على الأرجح إلى المجلس؛ استدار تركيز الدبلوماسية الأميركية على هذا الأخير لضمان تأجيله النظر في الموضوع وحتى إشعار آخر، بحسب المتداول في واشنطن. بذلك تضرب الإدارة عصفورين بحجر: تعفي نفسها من «الفيتو» وإحراجاته وتداعياته الفلسطينية والعربية؛ وفي ذات الوقت تشتري المزيد من الوقت بحثاً عن مخرج آخر. وقد يتيسر لها ذلك، بحكم امتلاكها لورقة حق النقض.

لكن ما لا تقوى على تحقيقه هو تأجيل التصويت في الجمعية العمومية، ناهيك بحمل هذه الأخيرة على إسقاط الطلب ولو أن تصويتها لا يمنح فلسطين العضوية التامة في الأمم المتحدة كما هو الحال في تصويت مجلس الأمن. لكن بإمكان الجمعية تعزيز الوضعية الفلسطينية وفتح كثير من الأبواب الدولية أمامها.

بل وضعها على قاب قوسين من العضوية الكاملة، فبدل عضو مراقب قد تصبح «دولة مراقب ولو غير عضو»، على ما في ذلك من ضبابية. ولو أن هناك حالة مشابهة تتمثل في وضعية الفاتيكان. كما بإمكان الجمعية أن ترفع توصية إلى مجلس الأمن بقبول فلسطين كدولة عضو. كما للجمعية، بحكم أنها السلطة الأعلى في المنظمة الدولية، أن تسلك طريق التحدي وتعلن قبول فلسطين متجاهلة المجلس، لكن القناعة السائدة أن التصويت في الجمعية يحمل معه عدة مكاسب ينطوي على رسالة سياسية دولية تعطي المزيد من الزخم للمسعى الفلسطيني، فضلاً عن أنها تنطوي على إعادة تأكيد على قراراتها العديدة السابقة بشأن لا شرعية المستوطنات وحدود 1967 والقدس كعاصمة لفلسطين.

 

مأزق دبلوماسي

الاعتقاد السائد لدى مختلف الدوائر الأميركية، أن واشنطن وتل أبيب في مأزق دبلوماسي. وثمة من يغمز بالتصريح أو بالتلميح، من زاوية إسرائيل التي تركت الأمور تصل إلى هذا المفصل المحرج؛ ولو أنه غمز مقرون بالأسباب التخفيفية وإبداء «التفهم» لتشبث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو. بل ثمة من لا يخفي انزعاجه من موقف إدارة أوباما في هذا الملف والأشبه بالارتهان «المخزي» لإسرائيل والذي «يجعلني أشعر بالخجل كأميركي»، على حدّ تعبير احد الإعلاميين في حلقة خاصة. خلاصة الأجواء في واشنطن أن المسرح بات جاهزاً لتوجيه صفعة دبلوماسية دولية لإسرائيل؛ واستطراداً لما تبقى من صدقية إدارة أوباما وواشنطن في العالم العربي.