في سبتمبر 1978، وقع كل من الرئيس المصري الأسبق أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن على اتفاقيات كامب ديفيد، وذلك بعد أربع حروب بين العرب وإسرائيل، حشدت خلالها مصر قوتها العسكرية الهائلة بصورة هددت وجود إسرائيل.

ولقد وافق البرلمان المصري والكنيست الإسرائيلي بأغلبية ساحقة على الاتفاقية، التي دعت إلى احترام كل بنود قرار مجلس الأمن رقم 242. والتي كان أهمها "عدم القبول بالاستيلاء على أراض بواسطة الحرب، والحاجة إلى العمل من أجل سلام دائم وعادل تستطيع كل دولة في المنطقة أن تعيش فيه بأمن"، ودعت الاتفاقيات إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي والقوى السياسية من الأراضي المحتلة، ومنح الفلسطينيين "حكما ذاتيا كاملا".

وبعد ستة شهور، تم تبني معاهدة سلام بين الدولتين دعت إلى انسحاب إسرائيل من شبه جزيرة سيناء التي احتلتها عام 1967، وعبور السفن الإسرائيلية قناة السويس، وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين الجانبين.

تجاهل «كامب ديفيد»

ومنذ ذلك التاريخ، سادت شروط معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية بين الجانبين، لكن البنود الأساسية لاتفاقيات كامب ديفيد تم تجاهلها. وبعد مصرع السادات، لم يمارس الرئيس المصري السابق حسني مبارك أية ضغوط لنيل حقوق الفلسطينيين، على الرغم من أن الشعب المصري بمعظمه كان يشدد على وجوب احترام إسرائيل لهذه الالتزامات. والموضوع الرئيسي المثير للقلق هو استمرار الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية، واستمرار بناء المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وقد اقر الرئيس الأميركي باراك أوباما بمركزية هذه القضية في خطابه المهم في القاهرة في مارس 2009، عندما طالب بتجميد كل الأنشطة الاستيطانية. وأعلن لاحقا في مايو 2009، أن الحدود القائمة بين العرب وإسرائيل هي التي كانت قبل حرب 1967، مع تعديلها للأخذ بعين الاعتبار بعض المستوطنات الإسرائيلية قرب القدس، وقال إن هذه الحدود يجب أن تشكل أساسا لاتفاقية السلام.

ولقد رفض رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو المقترحين، ومضى في بناء المستوطنات، بل سقف مطالبه بمطالب جديدة غير مقبولة، داعيا إلى وجود عسكري دائم في وادي نهر الأردن، وإلى الاعتراف بإسرائيل "كدولة يهودية"، علما ان 25% من مواطني إسرائيل هم من غير اليهود.

 

إنسحاب أميركي

ولقد انسحب الأميركيون من المشاركة الفاعلة في عملية السلام أساسا. وفسر الفلسطينيون وغيرهم من العرب السياسة الأميركية على أنها قبول بالاحتلال وانحياز أميركي ضدهم، ويسعى الفلسطينيون في نهاية هذا الشهر الجاري إلى طلب الاعتراف بالدولــة الفلسطينية فــي مجلــس الأمن وأمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، معلنين أنه لم يبق أمامهم خيار آخر. وفي مصر، قام بعض المصريين، أخيرا، بمهاجمة السفارة الإسرائيلية وأجبروا السفير على إخلائها.

وإذا جرى الافتراض منطقيا أن هناك اعترافا واسعا بالدولة الفلسطينية على الرغم من الفيتو الأميركي في مجلس الأمن، فما هي الخيارات المتاحة بالنسبة للمستقبل؟

هناك فرصة لوضع خطة سلام دولية شاملة وتعديل الخطة العربية لتتطابق معها، حيث سيتعين على الفلسطينيين الامتناع عن ممارسة العنف والقبول بحق إسرائيل في الوجود بسلام في إطار حدود 1967، التي ستعدل لتشمل تبادل أراض حسبما يخرج عن المفاوضات، كذلك القبول بوجود طويل الأمد لقوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة، أو قوات "ناتو" داخل فلسطين، والقبول بحق عودة الشعب الفلسطيني إلى الأراضي الفلسطينية، على أن يعود عدد رمزي منهم إلى داخل إسرائيل، وفي السياق نفسه، يقبل الإسرائيليون بالحدود نفسها وبوجود قوات حفظ السلام.

ويمكن ان تؤدي هذه بالنتيجة إلى تمتع إسرائيل وجميع جيرانها بالسلام، واستعادة أميركا دورها القيادي في المنطقة على أساس التزامها بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وإزالة قضية رئيسية تغذي هذا العداء المستشري ضد أميركا داخل العالم العربي.

أما البديل لهذا الجهد الدولي الجديد، فسيكون مزيدا من فقدان الأمل والعداء واحتمال العنف.

سلام قادم

وخلاصة القول كما ذكرت في كتابي "فلسطين: سلام لا فصل عنصريا"، سوف تنعم إسرائيل والشرق الأوسط بالسلام فقط عندما تصبح الحكومة الإسرائيلية على استعداد للامتثال للقانون الدولي وخريطة الطريق والسياسة الأميركية الرسمية وأمنيات أغلبية مواطنيها، ولاحترام التزاماتها السابقة والقبول بحدودها. ويتعين على جيرانها العرب التعهد باحترام حق إسرائيل في العيش بسلام ضمن هذه الشروط، وما تقوم به أميركا بتغاضيها عن مصادرة إسرائيل للأراضي الفلسطينية واستيطانها هو هدر لمكانتها الدولية وتصعيد للإرهاب الدولي المعادي لها.

يرى الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر أن التصويت الأممي على الدولة الفلسطينية، يشكل فرصة أمام الولايات المتحدة، لاسيما في ظل وجود قادة أوروبا وأعضاء آخرين من الرباعية الدولية، التي تضم روسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لوضع خطة سلام شاملة بناء على أسس ومطالب تتوافق تماما مع ســياسة أميركا الرسمية، وقرارات الأمم المتحدة السابقة واللجنة الرباعية، ويعتقد أنه ليس هناك ذرة من الشك في أن خطة السلام العربية يمكن تعديلها لتتطابق مع هذه الخطة.

وهناك إمكانية أن يلي ذلك انخراط كامل لأميركا و/ أو الأمم المتحدة في جهود الوساطة من خلال محادثات مباشرة أو غير مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين، بحسب أيهما أكثر فاعلية، مع احتمال اتباع النهج نفسه لحل قضية مرتفعات الجولان مع سوريا.