مع أفول حكم العقيد الليبي معمر القذافي، يرى العديد من المحللين الخبراء بالشأن الداخلي أن التناحر والثأر القبلي والمناطقي سيكونان أخطر التحديات التي ستواجه حكام ليبيا الجدد. فعدد هام من سكان العاصمة طرابلس باتوا يتحدثون اليوم عن احتلال «مصراتي» و«امازيغي» و«زنتاني» لمدينتهم، مما جعل المجلس الوطني الانتقالي يطلب من الثوار القادمين من خارج طرابلس العودة الى مناطقهم، غير أن دعوته هذه لم تجد صدى لدى ثوار مصراتة والجبل الغربي.

وتشكو الخارطة الاجتماعية لليبيا من خلل واضح في العلاقات بين القبائل والمناطق، وما يزيد من تعقد الامر ان القبائل العربية البدوية ترفض الخضوع للأمازيغ من أبناء الجبل الغربي ولذوي الجذور الشركسية من أهالي مصراتة. ويتحدث البعض عن وجود خلافات ثقافية راسخة بين اقليمي برقة وطرابلس. أما سكان إقليم فزان الجنوبي فلا يخفون امتعاضهم من نظرة سكان الشمال وخاصة في المنطقة الشرقية.

ويرى محلل سياسي قادم من طرابلس الى تونس أنه «لا يفهم حقيقة المشهد الليبي الا الليبيون انفسهم»، فهناك خوف من الغموض الذي يلف الواقع السياسي والعسكري والأمني في بلاده، مضيفا أن «الاعلام مازال ينقل وجهة نظر واحدة، ويتابع الوضع الليبي من زاوية واحدة».

ويقول هذا المحلل، مفضلاً عدم ذكر اسمه: «ليبيا اليوم ليست سوى جملة من التناقضات.. ليبيراليون ومتطرفون وقبائل اصبح بينها ثأر ودم وتدخل عسكري خارجي وقبائل أخرى منقسمة على نفسها، ومناطق مازالت موالية للقذافي، ومناطق دخلت مرحلة تصفيات الحسابات فيما بينها».

أما المفكر التونسي المقيم في باريس عفيف الاخضر فيقول ان «عدوى المصالحة الصحية في ليبيا قد تقطع الطريق على احد الاحتمالات المشؤومة لبلاد ما بعد القذافي، أي الاقتتال بين المتطرفين والليبيراليين وهو احتمال كفيل بتدشين سلسلة من الحروب القبلية التي ستعيق إعادة الاعمار تاركة البلاد امام المجهول، وإن على الليبيين أن يقرؤوا رسالة الزعيم الجنوب افريقي نيلسون مانديلا الى تونس ومصر والتي حض فيها نخب البلدين على المصالحة الشاملة والفورية للتفرغ لبناء المستقبل بدلا من التسمر في مرارات الماضي».

 وإذا كان «الطوارق» أوفياء للقذافي فلأنه، بحسب البعض، عمل على توطينهم في مناطقهم ومكنهم من الحصول على مراتب عالية في الجيش والأمن خلال العقود الاربعة الماضية. هنا، يحتاج حكام ليبيا الجدد الى السعي في حل التناقضات التي قد تواجهها ليبيا ما بعد القذافي، الذي عاث فيها فسادا، ما يجعلها في مرحلة خطر حقيقي لا بد من تداركها.