تثير خطوة إقامة علاقات دبلوماسية بين دولة جنوب السودان وإسرائيل قلقا في الأوساط السياسية العربية، الرسمية منها والشعبية على السواء، حيث كان لافتا للنظر خلال مراسم الاحتفال بمدينة جوبا ظهور علم اسرائيل وسط الاعلام التي رفعها المحتفلون بالمناسبة، ما يعد مؤشرا أولياً لتوجهات الدولة الجديدة. ويرى مراقبون أن التطمينات التي تقدمها دولة الجنوب وحدها لا تكفي لتقليل القلق بشأن توجهات الدولة الجديدة.

علاقات طبيعية

ويدافع وزير الاعلام بحكومة الجنوب برنابا بنجامين بشدة عن هذه الخطوة بقوله إن علاقة حكومته مع إسرائيل «لن تؤثر على علاقاتها مع الخرطوم وباقي الدول العربية، كما انها لا تتضمن أي تعاون أمني أو عسكري، فهي علاقات طبيعية»، على حد قوله، وتشبه العلاقات التي تربط بين بعض الدول العربية وإسرائيل، أو غيرها من العلاقات السائدة بين الدول. ويمضي الناطق باسم حكومة الجنوب في تطميناته قائلا إن علاقة بلاده مع إسرائيل يمكن أن تكون لصالح السلام في المنطقة.وكانت العديد من الدول العربية، وعلى رأسها السودان ومصر، استشعرت خطرا من تنامي العلاقات بين الجنوب المستقل وإسرائيل، بما يمكن ان يشكل تهديدا للأمن القومي العربي.ويبدو ان حكومة جنوب السودان التي ستحضر وللمرة الاولى، اجتماعات الجمعية العامة، بعد أن نالت عضوية الامم المتحدة، لم تبلور بعد موقفها رسميا إزاء الموضوع الذى يثير جدلا واسعا في مختلف أنحاء العالم، رغم اعلان مسؤولين جنوبيين في وقت سابق، أن بلادهم ستعترف بدولة فلسطين، عندما يتم طرح الموضوع على منضدة الجمعية العامة للأمم المتحدة.كما رفضت حكومة الجنوب طلبا إسرائيليا بالامتناع عن الاعتراف بدولة فلسطين، معتبرة أن اعترافها بإسرائيل لا يتضمن بالضرورة عدم الاعتراف بدولة فلسطين «عندما يطرح موضوع الاعتراف رسميا».

تدشين علاقات

وشهد نهاية شهر اغسطس الماضي، زيارة أول وفد رسمي إسرائيلي لدولة الجنوب المستقل لتدشين العلاقات بين جوبا وتل أبيب، وقد عبر الوفد الذي ترأسه نائب رئيس الكنيست داني دانون، عن رغبة اسرائيل ، في ان تمتنع حكومة الجنوب عن الوقوف إلى جانب الدولة الفلسطينية المستقلة، وخلال لقاء الوفد مع رئيس حكومة الجنوب سلفاكير ميارديت، ووزير خارجيته، تلقى بالمقابل تعهدات بأن تفتح دولة الجنوب سفارة لها في القدس بدلا من تل أبيب، وهو ما ضاعف من قلق البلدان العربية، لجهة ان هذا الموقف يلحق اضرارا بالقضية العربية والفلسطينية، ومن شأنه ان يؤثر سلبا على علاقة جنوب السودان مع الدول العربية والاسلامية.

غير أن مؤشراً إيجابياً لاح في الأفق أخيراً بزيارة لنائب رئيس حكومة الجنوب د. رياك مشار إلى السعودية التي أعلنت عقب نتيجة الاستفتاء، وعن توجه بلاده لتعزيز علاقاتها مع الدول العربية. وبالفعل قام مشار بأول زيارة الى المملكة العربية السعودية، كفاتحة لمرحلة من التعاون بين جنوب السودان والدول العربية، خاصة في مجال الاستثمار الذي يحتاجه الجنوب.ويمكن اعتبار صمت بنجامين، عن مسألة القدس، بسبب حساسيتها تجاه توجه الجنوب لتنمية علاقاته مع الدول العربية. وهي علاقات قد تبدو قريبة الجذور مقارنة بعلاقات الجنوب مع اسرائيل ومشوشة بآثار الصراع مع شمال السودان منذ مطلع استقلال السودان، خاصة وأن إسرائيل لعبت دورا كبيرا في دعم التمرد في الجنوب منذ ستينات القرن الماضي، وهو ما اتاح لها أرضية ملائمة لبناء علاقات مع جنوب السودان عقب الانفصال.وفي دفاعها المستميت عن إقامة علاقات لها مع اسرائيل متذرعة بإقامة بلدان عربية علاقات مماثلة، فإن جمهورية جنوب السودان، ستجد صعوبة في تعيين مثال يحتذى به في جعل القدس مقرا لسفارتها التي تعتزم فتحها هناك .

قلق مراقبين

يخشى الكثير من المراقبين من أن تكون سياسات حكومة جنوب السودان من قبيل الاعتراف بإسرائيل، وفتح سفارة لها في القدس أو الاعتراف بجبهة «البوليساريو» وغيرها من المواقف، تنطلق من إرث العلاقات السلبية والصراع المزمن مع شمال السودان العربي المسلم، وليس انطلاقا من المصالح الوطنية الخالصة لدولة جنوب السودان.