كانت مريم الطالبة القادمة من احدى المدن الداخلية الى العاصمة لتسجيل نفسها باحدى الكليات، منزعجة من تأخرها في الوصول الى محطة «المنصف باي». غادرت القصرين في الساعة السابعة صباحا وبدلا من ان تستمر الرحلة اربع ساعات، على اكثر تقدير، استمرت 11 ساعة بسبب ان الطرق كانت مقطوعة في بعض المناطق من قبل تونسيين يقولون انهم محتجون على اداء الحكومة.

و ما تشكو منه مريم اصبح امرا عاديا في تونس، حيث لا يجد البعض أي جرح في قطع الطريق أو سكك الحديد و منع السيارات أو الحافلات أو القاطرات من القيام برحلاتها بسلام.

وخلال الاسبوع الماضي تعطلت حركة المرور بين جنوب البلاد و مناطق الوسط والجنوب بسبب قطع الطريق الرئيسية في مستوى منطقة المطوية من ولاية قابس، وفي جبنيانة حدثت مواجهات بين سكان منطقتي المساترية واولاد حمد الريفيتين لتكون النتيجة قطع الطريق الساحلي الرابط بين مدينة صفاقس ومدن الساحل التونسي، الامر الذي دفع برئيس الوزراء الباجي قايد السبسي إلى الاعلان عن خطورة الوضع الامني والذي وصل بالبعض إلى الهجوم على مؤسسات أمنية و قضائية لإطلاق سراح بعض المخالفين للقانون في تجاوز لسلطات الدولة.

 

خبز وأمن

وعندما يسأل التونسيون عن مطالبهم سيردون عليك بأنهم يريدون الخبز والامن والاطمئنان على أولادهم الذين سيعودون الى مدارسهم بداية من يوم 15 سبتمبر الجاري.

ويقول عبدالقادر، 43عاما، وهو سائق تاكسي، إن «التونسيين عموما يريدون الامن و الاستقرار حتى يعودوا الى اعمالهم، فاليوم هناك أزمة اقتصادية و مستوى الفقر ارتفع بعد الثورة، و معدل البطالة ارتفع هو الاخر، وسائق تاكسي مثلي يحاول أن يعود باكرا الى منزله خوفا من مخاطر العمل الليلي في هذه الظروف و هي مخاطر لم تكن موجودة قبل الثورة. ويقول زميله محمد، 54 عاما: «قد اعمل في الليل ولكنني اختار الزبون أولا، وأسأله عن وجهته قبل ان اسمح له بالصعود الى السيارة ،لأنني بصراحة اعددت قائمة في المناطق و الاحياء التي قاطعتها في الحصة الليلية حتى لا اتعرض للتعنيف او القتل او نهب حصيلة عملي من المال».

وترى الحاجة فتحية الماجري، 75 عاما، ان «التونسيين اصبحوا يتكلمون كثيرا ويتصارعون على الكراسي في حين ازداد الفقير فقراً، بل وارتفعت نسبة الفقراء والعاطلين عن العمل وارتفعت الاسعار وعندما اسأل عن السبب يقولون ان البلاد تعيش في عهد الثورة، وان النظام السابق كان سارقا لأموال الشعب، ولكنني لا اتصور ان السرقة ستنتهي من البلاد، لأن المشكلة مرتبطة بوعي الشعب وثقافته وليس بشخص».

 

سلفيون ولحى

 

من المظاهر التي بدأت تميز الشارع التونسي بعد الثورة، ظاهرة اللحى الطويلة و الجلابيب الافغانية التي تدل على اصحابها من الجماعات السلفية، وأحيانا يقوم بعضهم بالتكبير في الشوارع او امام المساجد. وبرزت حالات من الاحتكاك بينهم و بين العلمانيين، و أصبحت الفتيات التونسيات أكثر حذرا في اختيار ملابسهم خوفا من التعرض للمضايقة من قبل أحد السلفيين، تقول نورهان، 22 عاما طالبة،: «صرت بعد الثورة اخاف من السير في الشارع بلباس متحرر عكس ما كنت عليه قبلها».

 وترى زميلتها فرح ان تونس اليوم حرة و الصحف فيها تشتم المسؤولين و تقول ما تريد والبلاد فيها عشرات الاحزاب، ولكن البنات يشعرن انهن فقدن الكثير من حريتهن. وتضيف: «انا شخصيا شاركت في المسيرات الاحتجاجية ضد بن علي و كنت مع الثوار و لكنني اليوم ارى ان المستفيدين من الثورة اقلية، و أن الحديث عن الديمقراطية لا يستقيم مع غير الديمقراطيين من الذين يريدون فرض برامجهم علينا حتى في المظهر و اللباس».