يحكى أن الزعيم البلغاري الشيوعي، تيودور جيفكوف، الذي كان يوصف بـ«ربيب موسكو»، حضر في إحدى المرات جلسة سمر مع «الرفيق» السوفييتي ليونيد بريجينيف، وحينما اتفق الجانبان على البدء بالمناقشات الجدية، طفق جيفكوف يحاضر عن مزايا الحكم الشيوعي وديمقراطية نظامه الشعبية الفريدة، فما كان من بريجينيف إلا أن قاطعه قائلاً: «رفيق جيفكوف، ألم نتفق على التحدث بجدية وإنهاء المزاح؟».

تحضر هذه الواقعة برمزيتها هذه الأيام لتدل على كبير الضرر الذي ألحقه الاتحاد السوفييتي ورفقاء الكتلة الشيوعية، على مدى عقود طويلة، بمستوى وعي شعوب الدول العربية ومستقبل الديمقراطية فيها، فمنذ انطلاق الحرب الباردة، دعمت موسكو، في الفضاءات العربية والإفريقية والآسيوية والأميركية، أنظمةً نشأ بينها وبين مفهوم الحرية عداء مستحكم، وإن كان كثير من العرب والمسلمين اتخذوا موقفاً نافراً من الولايات المتحدة بشكلٍ تقليدي وتلقائي لموقفها من قضاياهم ودعمها لحكامٍ دكتاتوريين.

فإن نظرة روسيا الشيوعية ولاحقتها في حقبة ما بعد «بروسترويكا» إلى قضاياهم، لم تكن، في واقع الحال، بأفضل من غريمتها، ومنذ أن أشهر «الربيع العربي» نفسه، اتخذت روسيا موقفاً مرتبكاً ملتبساً في أحسن الأحوال، وضبابياً معادياً في أسوئها، من تطلعات الشعوب العربية، فكانت أن جلست في الصفوف الخلفية إبان ثورتي تونس ومصر.

ومن ثم، وقفت عبر أذرعها السياسية والمالية والعسكرية، وحتى من خلال غض الطرف عن هجرة المرتزقة الروس، ضد الثورات الليبية واليمنية والسورية، في حين حاولت، وماتزال، لإفشال أي تحركٍ يؤازر تلك الانتفاضات. امتنعت روسيا عن التصويت في مجلس الأمن لمصلحة قرار يقضي بتدخلٍ دولي في ليبيا، في وقتٍ كانت كتائب معمر القذافي ومرتزقته تحرق أخضر ليبيا ويابسها، وكأن في ذلك إشارة إلى أن هذا هو أقصى ما يمكن لموسكو أن تبادر إليه في تلك الحالات، فيما كانت تنبري إبان حملة حلف «ناتو» للتذكير بـ«انتهاكات» الحملة للقرار الدولي في هذا التفصيل أو ذاك.

 

الوضع السوري

أما في ما يخص سوريا، الحليفة الاستراتيجية لروسيا، فكان من اللافت ذلك الموقف الذكي والرسالة ذات المضامين العديدة التي أعلنها المحتجون السوريون، والتي صدمت الروس وفاجأتهم، حينما بادروا إلى حرق الأعلام الروسية في شوارع المدن السورية في غير مناسبة للتعبير عن سخطهم من موقف الكرملين من قضيتهم في المحافل الدولية، وخاصة تلويحه باستخدام «فيتو» ضد أي قرارٍ يدين عنف النظام في مجلس الأمن. وزاد الروس في الطنبور نغماً حينما صوتوا سلباً على قرار مجلس حقوق الإنسان بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة تقف على الفظائع المرتكبة.

وجاءت ثالثة الأثافي بتوزيع مشروع قرار في مجلس الأمن، يدعو إلى وقف العنف «من كل الأطراف» في سوريا، وهو الأمر الذي استفز السوريين، وكأن شباب الـ«فيس بوك» متمردون شيشانيون في الأدغال والجبال، أو أن الناشط رامي نخلة، وائل غنيم السوري، هو النسخة السورية من الإرهابي شامل باسييف، فمنذ بدء الانتفاضة في سوريا في مارس الماضي، لم تجرؤ عاصمة ما على لصق تهمة «العنف» بالمحتجين.

حتى تلك المتحالفة بعمق مع دمشق، لمعرفة الجميع بأن «الغانديون الجدد» في سوريا، الكاظمين غيظهم، المواجهين للقناصة بالرقص والرصاصة بالكلمة والعصا الكهربائية بالأهازيج والنكات، أصروا، بطريقة كاميكازية، على الاستمرار في سلمية تظاهراتهم التي أدهشت العالم، وخاصةً لما يقابلها من عنف وقمعٍ مفرط من الطرف المقابل.

لقد خسر الكرملين، بيده لا بيد عمرو، الشعب السوري بهذا الموقف، تماماً كما خسر من قبل إيرانيين سبقوا نظراءهم السوريين في حرق الأعلام الروسية بعيد الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل في إيران قبل نحو عامين، بسبب موقفٍ مماثل لم يراع التاريخ المشترك للشعبين مع الشعب الروسي، بل اهتم أكثر ما اهتم باستمرار نموذج جيفكوف وبريجينيف.