لا يزال المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم في مصر في نفس المربع رقم واحد الذي وجد نفسه فيه عند إستلامه للسلطة بعد ثورة 25 يناير. فالمجلس الذي يتكون من ضباط في الجيش لم يدخلوا معترك السياسة من قبل، وجدوا أنفسهم على غير انتظار غارقين في العمل السياسي وبعضهم تحول الى ضيوف دائمين على شاشات الفضائيات المصرية ولقاءات القوى الحزبية.
لكن هؤلاء الضباط الذين اعتادوا على العمل في الظل تحت حكم الرئيس السابق حسني مبارك وجدوا أنفسهم حائرين بين الفرقاء السياسيين الذين يطلبون من المؤسسة العسكرية النقيضين في نفس الوقت. فالسياسيون يطلبون من قادة الجيش رعاية وضمان الانتقال السلمي للسلطة من المجلس العسكري لرئيس مدني منتخب وبرلمان جديد وأن يكون الجيش ضامنا لهذا الانتقال. ثم يطلب السياسيون في نفس الوقت أن ينسحب الجيش من المشهد السياسي وأن يعود القادة الي الثكنات وتفويض ذلك الى الرئيس المدني المنتخب والبرلمان الذي من المقرر إجراء الانتخابات المقررة له قبل نهاية العام الجاري.
توفيق المجلس
المراقبون السياسيون في مصر قالوا إن المجلس الأعلى يحاول التوفيق بين مطالب الأحزاب الليبرالية والماركسية التي تطالب بأن يسبق انتخاب البرلمان المصري إصدار وثيقة أو إعلان دستوري جديد، يتضمن ما تعتبره هذه الاحزاب وثيقة تتضمن المبادئ الحاكمة للدستور حتى لا تنفرد قوة سياسية واحدة بوضع الدستور الجديد في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين والجماعات السلفية التي تصر على أن يتولى البرلمان الجديد اختيار اعضاء الجمعية التأسيسية التي تقوم بوضع بنود الدستور الجديد. وتعتبر جماعة الإخوان المسلمين وباقي الجماعات السلفية والاحزاب المرتبطة بها أن فكرة إصدار إعلان دستوري جديد ووضع ما يسمي بمبادئ حاكمة للدستور يمثل التفافا على الارادة الشعبية التي عبر الاستفتاء الذي أقر فيه المصريون في مارس الماضي اعلانا دستوريا صادرا عن المجلس الأعلى يجعل من الشريعة الاسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع.
استقطاب القوى
المراقبون السياسيون في مصر حذروا من أن البلاد تشهد حاليا حالة غير مسبوقة من الاستقطاب بين الأحزاب الليبرالية واليسارية وما توصف في مصر بصفة عامة بأنها القوى العلمانية التي تسعى لتأسيس دولة مدنية وبين القوى الإسلامية والجماعات السلفية من جهة أخرى. وتصر هذه الجماعات على استبعاد عبارة مدنية الدولة، وتعتبر أن النص على مثل هذه العبارة في أي دستور مصري جديد سيكون بمثابة التفاف على ارادة الشعب، وهو ما دفع القوى الدينية والسلفية في مصر الى اتهام المجلس الاعلى بمحاولة إرضاء القوى الليبرالية والعلمانية التي كانت تتهمه بالتقارب مع الإسلاميين خاصة الإخوان المسلمين.