اعلن الثوار الليبيون امس ان وحدات من قوات خاصة تلاحق معمر القذافي الذي ينحصر مؤيدوه حاليا في جيوب للمقاومة بالعاصمة طرابلس، تزامنا مع افادة مسؤولين اميركيين سابقين وحاليين بان الوكالات الاستخباراتية الاميركية تضطلع بدور حيوي في تعقب العقيد الليبي المطارد، غير انها تحرص على الابقاء على هذا الدور بعيدا عن الانظار.

وقال عقيد في المعارضة امس انهم يستهدفون عدة مناطق لملاحقة القذافي. وأضاف: إن المعارضين يرسلون قوات خاصة كل يوم لملاحقة القذافي وان وحدة واحدة تقوم بأعمال الاستخبارات بينما تلاحقه الوحدات الاخرى.

وسرت شائعات بشأن محاصرة أو معرفة مكان القذافي أو أبنائه بين المقاتلين المتحمسين الذين يخوضون معارك بالصواريخ والرشاشات. وحتى بعد اقتحام باب العزيزية مقر القذافي في طرابلس الثلاثاء الماضي، خابت الآمال في نهاية سريعة لصراع بدأ قبل ستة شهور بسبب الاشتباكات الشرسة. وقال مراسلون من وكالة «رويترز»: ان قوات القذافي مازالت موجودة في عدة مناطق بالعاصمة وبعضها يرفع رايات المعارضين بدلا من الاعلام الخضراء التي ترمز الى فترة حكم القذافي.

استخبارات أميركية

في هذه الاثناء ورغم ان الجيش الاميركي ووزارة الخارجية الاميركية يسعيان للنأي بواشنطن عن عملية تعقب القذافي، الا ان مسؤولين حاليين وسابقين اقروا بان الوكالات الاستخباراتية الاميركية تولي القبض على الزعيم الهارب اهمية خاصة.

وقال المسؤول السابق بوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية «سي اي ايه» والباحث البارز في مؤسسة «بروكينغز» بروس ريدل: «يتعلق الامر بالوصول اليه قبل سعيه لتشكيل جبهة تمرد ضد الحكم الجديد».

وتابع: «بالنسبة لتعقب القذافي انا متأكد ان «سي اي ايه» تدرس بعناية انماط تحركاته السابقة ما يشير الى الاماكن المحتمل ان يوجد فيها الآن». واضاف: «هل مثلا لديه معقل في مكان ما في الصحراء الليبية سبق أن تردد عليه في الماضي؟ هل لديه مأوى يلوذ اليه بين القبائل؟».

إمكانات أميركية

ولا تنقص الولايات المتحدة الامكانات التي يمكن الاستفادة منها في تعقب القذافي، بما في ذلك طائرات الاستطلاع ومعدات التنصت فضلا عن المعلومات التي يدلي بها من انشقوا من اقطاب النظام السابق والمعلومات التي يوفرها رجال ونساء «سي اي ايه» على الارض، بحسب المسؤول السابق للوكالة. فالمنشقون مثل موسى كوسا الرئيس السابق للاستخبارات الليبية ووزير الخارجية السابق قد يشكلون مصدرا لا غنى عنه في تحديد مكان القذافي. ويقول ريدل: «استفدنا من انشقاق مسؤولين ليبيين كبار مثل كوسا إذ وجهت اليهم طبعا اسئلة اساسية للكشف عما يعرفونه عن منظومة عمل القوات العسكرية والاستخباراتية للعقيد».

ومع تأكيد قوات المعارضة المسلحة سيطرتها على اغلب انحاء ليبيا وهرب القذافي، بات الجيش الاميركي يركز الآن على تعقب الزعيم السابق وعلى «المرحلة التالية»، بحسب ما قال مسؤول دفاعي رفض الكشف عن اسمه.

ويقول فريدريك ويري المحلل السياسي البارز في مؤسسة «راند»: «اي دعم يقدم لعملية تعقب القذافي سيجري وراء الكواليس، ما يتفق والطبيعة الاستخباراتية للعمل».

لا وجود للقوات الأجنبية

اكد الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع وجيش التحرير الوطني الليبي العقيد الطيار احمد الباني امس انه لا توجد اية قوات اجنبية في ليبيا، وان كل ما يقال في هذا المجال «لا اساس له من الصحة». وفي مقابلة مع «محطة فرانس 24» الفرنسية، قال الباني: «لا توجد اية قوة اجنبية على الارض الليبية اطلاقا لا في شرق ليبيا ولا في غربها ومن هم على الارض هم ليبيون شرفاء». وردا على سؤال بشأن وجود عناصر استخبارية اجنبية في محيط طرابلس، اكد ان «هذا الكلام لا اساس له من الصحة. الاجانب الموجودون في طرابلس هم رجال الاعلام الذين ينقلون الصورة الحية للعالم».

وعن امكان طلب قوة حفظ سلام دولية، افاد: «نحن قادرون على تحرير بلادنا ثم قادرون على حفظ الامن والامان باي طريقة كانت ومن ثم قادرون على بناء ليبيا»، مضيفاً «في هذه المرحلة نحن لسنا بحاجة لاية قوة على الارض كي تحمينا». تحليل إخباري

سعي غربي لعدم استنساخ تجربة العراق

إذا كان هناك مأزق وحيد عقد المسؤولون الغربيون العزم فيما يبدو على تفاديه في ليبيا فهو ارتكاب نفس الاخطاء التي ارتكبت في العراق. ولا يتعلق الامر بالطريقة التي دار بها الصراع الممتد منذ ستة اشهر في ليبيا حيث قدمت فرنسا وبريطانيا وقوى أخرى الدعم للمعارضة المسلحة من بعيد تحت لواء حلف شمال الاطلسي وبتفويض من الامم المتحدة وانما بالتفكير والتخطيط لمرحلة ما بعد معمر القذافي.

في العراق كان النهج الذي اتبعته الولايات المتحدة عقب الاطاحة بالرئيس الراحل صدام حسين غير منظم. وحين سئل الحاكم المدني الاميركي للعراق اللفتنانت جنرال جاي جارنر ما هي خطته بعد سقوط بغداد بأيام، رد قائلا: «سأحمل الكرة إلى الملعب وأرى ما سيحدث». ولم يتحسن الوضع كثيرا. حين تسلم بول بريمر المسؤولية من جارنر في مايو 2003 وقرر حل الجيش العراقي.

وبهذا سرح عشرات الالاف من الرجال المسلحين الغاضبين في الشوارع ما أسهم بشكل مباشر في تصاعد العمليات المسلحة. كما انتهج سياسة صارمة لاجتثاث عناصر حزب البعث ما أبعد قطاعات كبيرة من السكان بدءا من المعلمين وانتهاء بالموظفين الحكوميين الذين كان كثيرون منهم يجبرون على الانضمام إلى حزب البعث.

وانهار جانب كبير من الاقتصاد ولم يتم سداد الرواتب الحكومية وتوقفت العقود. واضطرت واشنطن إلى نقل مليارات الدولارات نقدا على متن طائرة من طراز «سي-130» لتمويل ادارة العراق وسداد رواتب الموظفين.

النقيض الليبي

وعلى النقيض، فإن تصريحات الغرب حتى الان تشير إلى نهج تم التفكير فيه مليا في ليبيا ما بعد القذافي. وربما يكون التعامل مع ليبيا في ظل عدد سكانها الاقل وتركيبتها القبلية والطائفية والعرقية الاقل تعقيدا أسهل من العراق. ويشير التغير ايضا إلى استيعاب الدروس.