بعد نحو ستة أشهر من انطلاق الحركة الاحتجاجية في سوريا والمطالبة بإسقاط النظام، يبدو المحتجون أكثر عزماً على السير قدماً في تحقيق اهدافهم متجاوزين بذلك المخاطر التي كانت تهدد بوقف حركة الاحتجاجات الواسعة والتي تكمن، إلى جانب التنكيل الأمني، في إيجاد اقتصاد مواز للاحتجاجات.
في شهري مارس وأبريل، كانت منطقة حوران مسرحاً لعمليات الجيش والشبيحة وعناصر الاستخبارات. وتترافق العمليات الأمنية غالباً مع حصار على وسائل العيش والمتمثلة في المواد الغذائية والطبية، فصدر ما أسماه مثقفون ونشطاء «بيان الحليب» نهاية أبريل الماضي تعبيراً عن الأزمة المعيشية التي أنهكت سكان درعا وبلداتها وألمحوا فيه ان السلطات تمنع وصول مادة الحليب إلى الأطفال.
اليوم، وبعد مرور نحو ستة أشهر، تبدو الاحتجاجات أكثر تنظيماً وتكيفاً مع وسائل الضغط الموازية. وتوسع نشاط «تنسيقيات الثورة» لتشمل الاقتصاد وتوفير وسائل إدخال المواد الغذائية إلى المناطق المحاصرة. ويمكن بالتالي الحديث عن بداية ظهور «اقتصاد» الحركة الاحتجاجية التي تعتبر أكبر تحد يواجهه النظام السوري طيلة تاريخه منذ استلام الرئيس حافظ الأسد للسلطة بانقلاب عسكري العام 1970.
وقود الاحتجاجات
كان نفاد المواد الغذائية في بداية الاحتجاجات أحد العوامل التي أدت في العديد من المناطق إلى تراجعها وانحسارها. لكن ما إن يحصل السكان على مواد غذائية تبدأ الحركة بالعودة مجدداً. وتفيد شهادات ميدانية ان السكان في ادلب قاموا بتخزين مؤونة تكفيهم لستة أشهر بما في ذلك أكياس مليئة بالخبز اليابس، إضافة إلى المؤونة التقليدية التي يبدأ تخزينها في فصل الخريف. ولعل المشاهد التي بثتها مواقع الثورة لعمليات حرق المحاصيل في منطقة جسر الشغور كان إدراكاً مبكراً من السلطات لوقود الاحتجاجات. وبالتالي كان فصل الصيف من أقسى المراحل التي مرت بها الاحتجاجات من ناحية الاكتفاء المعيشي. كما لعبت المناطق الهادئة دوراً كبيراً في إعانة المدن المعارضة من ناحية الامدادات الغذائية والطبية، إلا ان الحواجز الأمنية التابعة للاستخبارات قلصت من حجم هذا النوع من المساعدة.
تجّار الاقتحام
خلف هذا المشهد، يندلع ما يمكن تسميته بـ«حرب التجّار» بين الموالين للانتفاضة والموالين للنظام. وبحسب قوائم نشرتها مواقع «الثورة السورية» لأسماء التجار الموالين للنظام، يمكن بوضوح ملاحظة أن معظم هؤلاء هم من التجار الكبار الذين استفادوا من امتيازات قدمتها لهم الدولة مثل إعفاءات ضريبية غير قانونية أو تسهيل عقد صفقات تجارية مع دول الجوار وخاصة العراق وتركيا. وكان لافتاً أن عملية اقتحام حماة الأولى تم تمويهها بداية بإخفاء عناصر الأمن والشبيحة في شاحنات تابعة لشركة غذائية شهيرة موالية للنظام.
في المقابل، يميل التجّار متوسطو الحجم والصغار إلى رفد الحركة الاحتجاجية من خلال الاستفادة من مزايا القيود الخفيفة على حركة تنقلهم بين دول الجوار. فأصبحت لبنان وتركيا محطتين أساسيتين لهم في توفير المواد الطبية وأكياس الدماء والحقن المسكّنة. وهذه المواد مطلوبة بشكل واسع في كل انحاء سوريا التي يسقط فيها قتلى وجرحى. الغذاء والاستمرار في المناطق التي أثار استمرارها في الاحتجاجات دهشة المراقبين، لجأ تجار الطبقة الوسطى الذين يتمتعون بقدر من الحسابات غير الربحية فقط إلى فتح مخازن متاجرهم للناس لمقاومة معادلة :«الغذاء مقابل الاستسلام».
وبدت ظاهرة تمويل الاحتجاجات واضحة في حركات الاضراب التي تنجح بشكل كبير في حماة وحمص واللاذقية على وجه التحديد. وبحسب رواية احد الجرحى، فإنه عندما نقل إلى احد المستشفيات الخاصة في العاصمة دمشق، قام تاجر دمشقي بدفع تكاليف العلاج دون ان يعرف عن نفسه. وفي ريف دمشق، يغذي تجار دمشقيون التحركات الشعبية بغية إيصالها إلى العاصمة دون ان تكون لهؤلاء مواقف علنية. وهو ما يفسر التحدي الكبير الذي تمثله محافظة ريف دمشق للسلطات منذ أكثر من خمسة أشهر. وخلف مشهد إصرار المحتجين على مواصلة تحركهم بقوة أكبر، ينحاز تجار أكثر واكثر إلى مطالب تغيير النظام السياسي والاقتصادي.
