بالرغم من الغموض والمعلومات المشوشة، تجزم واشنطن أن نظام معمر القذافي انتهى وإعلان دفنه باتت مسألة «ساعات أو أيام قليلة»، بحسب تأكيدات المسؤولين الأميركيين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة خاتمة أوجاع ليبيا.

فالترحيب الواسع بهذه النهاية، رافقته تحذيرات من مخاطر تهدّد الوضع الجديد الوشيك إعلان ولادته. مخاطر تختزنها الساحة الليبية التي لا يجمع بين قواها، حتى اللحظة، غير التوافق على الخلاص من معمّر وحكمه. وربما فاقم العامل الخارجي من خلافاتها، بحكم تنوع أو تضارب أولويات مصالحه.

أكثر ما استوقف في التطورات الأخيرة كان الدخول السريع والسهل لقوات المعارضة إلى طرابلس. فقد كان الاعتقاد السائد بأن العملية العسكرية ستكون مديدة وأن العقيد لن يتخلى بسهولة عن العاصمة مركز سلطته. بل لن يدّخر وسيلة أو يعفّ عن استعمال أي سلاح موجود بحوزته، قبل أن ينهزم ويتوارى بهذه الطريقة. وقد شطح البعض في تفسيره إلى حدّ عدم استبعاد وجود «صفقة» قضت بأن يترك المجال لدخول المقاتلين إلى طرابلس، مقابل ترتيب خروج لاحق يحفظ ماء الوجه للقذافي. وزاد من علامات الاستفهام، ما حملته المعلومات من مغالطات وملابسات محيرة، حول وقوع بعض أبناء العقيد في الأسر.

 

تغيير التكتيك

لكن بعيداً عن مثل هذه الشطحات، يعزي المحللون العسكريون سقوط العاصمة إلى تضافر عدة أسباب موضوعية جمعت بين تغيير التكتيك بنقل المعركة من الشرق إلى المناطق الجبلية غرب ليبيا وبين رفع درجة التنسيق بين المقاتلين وحلف «الناتو»، فضلاً عن تسريع عمليات التدريب التي أشرفت عليها القوات الفرنسية والبريطانية مع رفع النشاط الاستخباراتي الذي ساهمت به «سي أي ايه» على الأرض، حسب ما ذكرته مصادر مطلعة. تزامن ذلك، مع تسارع التفكك داخل لفيف العقيد وقواته. الحصيلة كانت تفاقم حالة الانهيار الذي أدّى إلى انقلاب المعادلة على الأرض بهذه الصورة، التي فاجأت الجميع.

 

طي صفحة

بيد أن هذا الانقلاب المنشود حمل معه مخاوف، مما قد يأتي به اليوم التالي لطي صفحة نظام القذافي. وفي هذا الصدد، يستحضر المتخوفون الحالة العراقية. فما حصل بعد الإطاحة بصدام قد يتكرر في ليبيا، لاسيما وأن الساحة الليبية كالعراقية يأتيها الخلاص وهي مفرّغة لمدة عقود من الحياة السياسية. الأمر يهدّد بفراغ في السلطة، إذا رجحت كفة الخلافات بين القوى الجديدة على كفة الائتلاف فيما بينها، بحيث يغرق البلد في دوامة صراعات أهلية قبلية أو يتحول في أحسن الحالات إلى «دولة فاشلة» تؤوي المجموعات الإرهابية. والمعلوم أن المعارضة الليبية تتشكل من عدة مجموعات بعدة أجندات وطموحات.

وكلها متعطشة للسلطة وربما للاستئثار بها، عملاً بالثقافة السائدة، لكن هذا التشبيه يغفل الفارق بين دخول العاصمة بغزو خارجي ودخولها بقوات معارضة محلية، لا تستقيم معه المقارنة بين الوضعين، خاصة وأن العامل الطائفي غير متوفر في الحالة الليبية ولو أن العامل القبلي قد يحل مكانه.

 

مخاوف

 

لعل من أكثر ما يثير التخوف هو مصير بقايا أسلحة الدمار لدى ليبيا، التي لم يحصل تسليمها مع معدات المشروع النووي إلى واشنطن العام 2004. فبحسب المصادر الأميركية، هناك كميات من الغاز المستخدم في الأسلحة البيولوجية والكيماوية، بقيت بحوزة طرابلس على أن يتم التخلي عنها لاحقاً. لكن ذلك لم يحصل. اقتراب الانتفاضة الليبية من خواتمها المرغوبة، أعطى إدارة أوباما جرعة انتعاش جديدة. بدت مع هذا التطور وكأنها كسبت جولة أخرى في مجال السياسة الخارجية ولو محفوفة بالمخاطر.