تفاءل الفلسطينيون بإنهاء الانقسام الجغرافي والسياسي الذي فصل قطاع غزة تحت حكم «حماس» عن الضفة الغربية تحت حكم حركة «فتح»، لكن تفاؤلهم هذا سرعان ما تبدد عندما اصطدمت المصالحة بعقبات داخلية وخارجية حالت دون تقدمها خطوة واحدة الى الأمام.

وتمثلت العقبة الاولى في الخلاف بين الحركتين على رئيس حكومة التوافق الوطني التي اتفقا على تشكيلها في اتفاق المصالحة.

وكانت الحركتان توصلتا الى اتفاق المصالحة السابع والعشرين من ابريل ووقعتا رسميا عليه في الرابع من مايو في العاصمة المصرية القاهرة. لكن هذا الاتفاق جاء على شكل اتفاق إعلان مبادئ اختلف الطرفان على كل بند فيه. واتفق الطرفان على ان يكون تشكيل حكومة الوفاق الوطني الملف الاول في بند المصالحة ثم ينتقل الى باقي الملفات مثل المعتقلين والمنظمة وصولا الى ملف الأجهزة الأمنية الذي جرى تأجيله لمدة عام.

 

معوقات خارجية

لكن قطار المصالحة توقف في المحطة الاولى، محطة الحكومة، بسبب معيقات خارجية بالدرجة الاولى. فقد لاقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس معارضة شديدة للمصالحة مع «حماس» من قبل اللاعبين الكبار مثل الإدارة الاميركية وإسرائيل وجهات أوروبية. ولا تخفي الادارة الاميركية موقفها الرافض بشدة للمصالحة. ونقل مسؤولون أميركيون للرئيس محمود عباس تحذيرا مباشرا مفاده أن الكونغرس سيصدر قرارات تحظر تقديم العون للسلطة الفلسطينية في ظل حكومة تشارك «حماس» في تشكيلها. ونقل دبلوماسيون غربيون عن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون قولها إن «هذا الاتفاق يجب أن يمزق».

وتقدم الادارة الاميركية مساعدة سنوية للفلسطينيين بلغت قيمتها العام الماضي 474 مليون دولار، منها 210 ملايين دولار للميزانية، والباقي لمشاريع البنية التحتية ولوكالة غوث وتشغيل اللاجئين. وتشكل هذه المعونة أهمية كبيرة للسلطة التي تعاني من أزمة مالية خانقة تركتها عاجزة عن دفع رواتب موظفيها.

ووصل لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إشارات سلبية أخرى من دول مانحة للسلطة منها المانيا وبريطانيا واليابان وهولندا وغيرها من الدول التي تقول باننا «ننتظر لنرى»، مشيرة في ذلك الى انها لن تقدم العون لحكومة تشارك فيها عناصر من «حماس». اضافة الى نية اسرائيل وقف التحويلات المالية الجمركية للسلطة في حال تشكيل حكومة وفاق مع «حماس». وتشكيل هذه التحويلات التي تصل قيمتها الى حوالي 100 مليون دولار شهريا حوالي ثلثي إيرادات السلطة.

 

موقف عباس

ودفعت مواقف هذه الاطراف عباس الى «التشدد» في شأن تشكيل حكومة التوافق الوطني إذ أصر على تسمية رئيس الحكومة، وعلى تحديد برنامجها. وأبلغ عباس وسطاء أنه الاقدر على معرفة «من هي الحكومة التي تتعرض للحصار ومن هي الحكومة التي لا تتعرض للحصار». وأبلغ أحد الوسطاء أنه هو، أي الرئيس عباس، سيتحمل المسؤولية أمام الشعب الفلسطيني عن أي حصار يتعرض له الشعب وليس رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل.

ومن جانبها وجدت حركة «حماس» في الخلاف على الحكومة وسيلة لتأجيل تطبيق المصالحة الى مرحلة لاحقة تتضح فيها معالم الطريق الى المستقبل الاقليمي.

 

الدور الايراني

وقالت مصادر عليمة ان الموقف الايراني من المصالحة انعكس على موقف «حماس».

وكانت إيران دعمت المشروع المصري الرامي الى إتمام المصالحة الفلسطينية بعد تغيير النظام. وقالت مصادر دبلوماسية إن إيران كانت تتطلع الى بناء علاقة جديدة مع مصر، لكن التطورات اللاحقة لم تصب في هذا الاتجاه ما جعل إيران تعيد حساباتها من كل مساعي مصر بما فيها مسعى المصالحة الفلسطينية ـ الفلسطينية.

وذكرت مصادر في «حماس» أن أزمة الثقة العميقة بين «فتح» و«حماس» هي العائق الاساسي أمام المصالحة. وقالت مصادر في غزة إن حركة حماس عملت على ضخ أعداد كبيرة من الموظفين في المؤسسات الحكومية في القطاع لضمان سيطرتها التامة على عمل جميع المؤسسات والوزارات هناك في فترة ما بعد المصالحة. واشارت الى ان عدد الموظفين في المؤسسات الحكومية في غزة ارتفع من 32 الفا الى40 الفا في غضون اسابيع. واضافت إن الواقع الحالي للمؤسسات الحكومية في قطاع غزة يجعل من الصعوبة بمكان إعادة الموظفين السابقين من مرحلة ما قبل الانقسام الى أماكن عملهم.

 

ملفات صعبة

ويشكل إعادة توحيد الوزارات واحدة من الملفات الصعبة في وجه أية حكومة وفاق وطني قادمة. فحركة فتح تتطلع الى عودة جيش الموظفين من أبنائها المستنكفين عن العمل منذ سيطرة «حماس» على السلطة في القطاع الى أماكن عملهم في المؤسسة الحكومية. وتتطلع الحركة الى ضمان سيطرتها على المؤسسة الحكومية في القطاع في مقابل سيطرة «فتح» على المؤسسة الحكومية في الضفة. ولا تقل الملفات الأخرى صعوبة خاصة الملف الامني وملف منظمة التحرير.

فحركة حماس تتطع إلى بقاء سيطرتها على المؤسسة الامنية في قطاع غزة لحماية مصالحها السياسية في القطاع. وتتطلع الى الحصول الى حصة مهمة في منظمة التحرير الفلسطينية تؤهلها للمشاركة في القرار السياسي.

ويتساءل الكثيرون من قادة «فتح» عن الجدوى من مشاركة «حماس» في منظمة التحرير في وقت تعمل فيه الحركة على تكريس سيطرتها على المؤسسة الحكومية المدنية والامنية في قطاع غزة.