منذ أن اندلعت الأحداث الأخيرة في ليبيا، ووقع نظام العقيد القذافي تحت وطأة الغارات والقصف من قبل حلف «الناتو» والعقوبات والعزلة الدولية التي تضيق عليها الخناق يوماً بعد آخر، كان لبريطانيا خطوات متباطئة من النواحي السياسية كالاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي وقطع العلاقات مع نظام العقيد الذي جرى مؤخراً، بينما يرى بعض المحللين السياسيين أن إجراءات لندن ضد نظام العقيد ما هي إلا «سياسة ثأرية انتقامية» ضد هذا النظام الذي سبب لها ولأوروبا المشاكل منذ الثمانينات، في حين يرى البعض أن لندن تنظر إلى مصالحها الاقتصادية وأجندتها الداخلية بغض النظر عن التراكم التاريخي لعلاقتها بالآخرين.
بريطانيا التي قطعت الصلات مع نظام القذافي اول من امس، والتي لطالما احتفظت بها على مضض ومرارة بغية حماية مصالحها الاقتصادية، جاءت قطيعتها النهائية متمثلة بطرد البعثة الدبلوماسية الليبية من الاراضي البريطانية والاعتراف بالمجلس الانتقالي كممثل شرعي وحيد للشعب الليبي، وهي خطوة قوبلت بترحيب كبير من قبل اقطاب المعارضة الليبية.
وأكد الناطق باسم الخارجية البريطانية باري مارتسون لـ«البيان» أن «بريطانيا اثبتت للعالم الحر أن قرار الاعتراف بالمجلس الانتقالي يمثل احترامها لإرادة الشعب الليبي، وان المجلس الانتقالي سينقل ليبيا الى مرحلة مؤقتة سيتم بعدها اجراء انتخابات ديمقراطية حرة لانتخاب حكومة شرعية».
خطوة متأخرة
اما خارج مبنى السفارة الليبية في وسط العاصمة لندن، حيث اجتمع العشرات من انصار المعارضة الليبية، فصرح المعارض الليبي السنوسي الباجي لـ«البيان» ان «تلك الخطوة وان جاءت متأخرة، إلا انها تمثل اعترافا بريطانيا بالقضية الليبية من أجل انهاء صفحة العقيد القذافي وحل المسائل العالقة مع ليبيا، كموضوع الارصدة المالية المجمدة ومشكلة الطلبة العالقين في بريطانيا».
وبدورها، بررت الخارجية البريطانية تأخرها بالاعتراف بالمجلس الانتقالي الى «غياب حالة التواصل وانعدام الرؤية من حيث العناصر التي ضمها المجلس الانتقالي في بداية الثورة». ويبدو ان لندن حسمت امرها بشكل تام في علاقتها مع العقيد، المتأزمة بطبيعتها منذ اكثر من عشرين عاما. وقد يراها البعض من المحللين سياسة ثأرية من ممارسات القذافي واعوانه ضد المصالح البريطانية في فترة الثمانينات والمتمثلة بحادثة لوكربي وتأييده المطلق لـ«الجيش الجمهوري الايرلندي».
الثأر والانتقام
ويقول المحلل السياسي الدكتور محمد الشيخلي: «بريطانيا تحاول تطبيق سياسة الانتقام من القذافي على خلفية التركة الثقيلة الدامية التي خلفها هناك،
وتستخدم حقها المشروع في قرار سيادي بقطع علاقتها مع نظام القذافي وفتح علاقات جديدة مع المجلس الانتقالي»، مؤكدا ان «المصالح النفطية تقف وراء دعمها للمجلس الانتقالي»، وان «بريطانيا تنظر الى برميل النفط الليبي اكثر مما تنظر الى من يحكم ليبيا، والدليل على ذلك صفقة لوكربي التي انتهت بدفع تعويضات مالية لعوائل الضحايا مقابل عقود نفطية هائلة».
وباتت بريطانيا، الساعية الى ارتداء ادوار جديدة في المنطقة، مطالبة بوضع نهاية سريعة لسير العمليات في ليبيا، خصوصا وان اوضاعها الاقتصادية تجعلها امام ضغوطات شعبية لتفادي فتح ميزانية جديدة من المصاريف العسكرية يكون على دافعي الضرائب تسديدها من جيوبهم الخاصة. والسؤال: بكم من التكاليف ستنتصر بريطانيا وحلفاؤها في حرب ليبيا؟. فحرب ليبيا مكلفة ماديا حالها حال الحروب التي خاضتها بريطانيا في العراق وافغانستان.. إنه اكليل شوك دام.
نهاية العقيد
الحديث عن قرب نهاية العقيد معمر القذافي وعلى الرغم من كافة التطمينات من قبل حلف شمال الاطلسي يخالف الواقع على الارض، الذي مازال محكوما بعوامل غير مرئية. فقد تكون ليبيا بعد القذافي بؤرة صراع مريرة كما حدث في العراق بعد مرحلة ما بعد صدام حسين.
فالواقع القبلي لليبيا في ضوء العلاقات الاجتماعية بين الشرق والغرب الليبي وبين منظور أهل طرابلس ومنظور اهل بنغازي قد يشكل بحد ذاته عوامل اقتتال داخلية. وهناك حقيقة قد لا نستطيع تجاهلها ان للعقيد انصارا ومؤيدين سيقاتلون ربما الى آخر رجل على اساس وجود اعتبارات دينية وقبلية ترى في الهجوم الذي تشنه قوات «الناتو» بمثابة «حرب».
