في الزنتان، باستثناء الحرب كل شيء متوقف. لا احد يعمل. المحلات التجارية مغلقة والمدارس ايضا، ويكاد المال ينفد والطعام متوقف على الهبات. وبينما يعيش الرجال بين الضجر والقتال، تنحصر حياة النساء بين المطبخ والإحباط.

وباستثناء اللحظات التي تنطلق فيها الشاحنات الصغيرة بقوة مكتظة بالمقاتلين والقذائف والمدافع نحو الجبهة، فان المدينة، وهي المركز الاستراتيجي للثوار في غرب ليبيا تبدو وكأنها نائمة تحت شمس يوليو الحارقة. ومنذ بداية الانتفاضة في فبراير الماضي، يقتصر النشاط في الزنتان على القتال والبقاء على قيد الحياة. ومنذ خمسة أشهر لم يتقاض أي شخص راتبا، ولم يتمكن احد خلال أربعة أشهر من سحب نقود من المصرف. ولأول مرة هذا الأسبوع فتح احد المصارف أبوابه مجددا فهرع السكان لكن لم يبق لديه ما يكفي من المال علما ان الحد الأقصى الذي يمكن سحبه هو مئتي دينار ليبي (154 دولارا).

كما اوضح مسؤول. وقال خليل احمد (65 سنة) بعد الوقوف في الطابور ثلاث ساعات قبل الوصول الى الشباك «ليس لدي مال في المنزل، ليس لدي ولو سنتا واحدا منذ بداية الثورة، نحن نعيش بفضل التبرعات».ومنذ أشهر تعيش أغلبية العائلات بفضل ما يصل من تونس من مساعدات تنقلها الجمعيات الخيرية في الزنتان التي يمولها الخارج، ويوزع الزيت والماء المعدني والمعكرونة والطماطم مقابل بطاقة تموين لبعض الايام لكن عمليات التوزيع ليست منتظمة والمحلات التجارية مغلقة بالكامل تقريبا.

وقال الطبيب حنا عكرا (24 سنة) :«ليس لدينا شيء ونحن نعيش بفضل المساعدات». وتعيش هذه المدينة التي كانت اصلا فقيرة قبل الحرب بما يتبرع به ثوار بنغازي، وتمكن مصرف الوحدة من فتح ابوابه بفضل أموال نقلها مديره من معقل الثوار في شرق البلاد، و قدم المجلس الوطني الانتقالي لأول مرة أموالا مخصصة لعائلات في غرب البلاد. واوضح المسؤول في المجلس المدني بالمدينة محمد المعلول :«ليس لديهم مال كثير، اننا ننتظر تبرعات او ان يفرجوا عن اموال مجمدة للقذافي».وفي تلك الاثناء يبقى التضامن سيدا في الزنتان حيث تربط الجميع تقريبا صلات قربى. وقالت الطالبة عفاف بوصاع (20 سنة) :«لم يكن لدينا اي طعام، فطرق الجيران الباب واعطونا خضارا».

ويتوجه الاكثر ثراء الى تونس للتبضع لكن الوقود نادر، ويتم تموين محطتي وقود هذا البلد المجاور كما ان الوقود مجاني للمقاتلين. لكن سعره باهظ جدا للاخرين: ومنذ بداية الحرب ارتفع سعر العشرين لترا من دينار ونصف الى 50 دينارا.اما في المستشفى فانه لا يمكن للأطباء إلا ان ضمان الحد الأدنى من الإسعافات. واوضح الطبيب انيس عطية :«نفتقر الى ادوية الامراض المزمنة والتهاب الكلى والسكري وارتفاع ضغط الدم».لكن لا احد يتذمر والجميع يتكيف، ويعيش حياة غريبة بين حماسة المعارك وضجر الانتظار في مدينة هجرها نصف سكانها.

 

كآبة..وملل

وتغلب الكآبة على الفتيان المحرومين من المدارس وتقول الفتاة فاطمة (17 سنة) الطالبة في الثانوية :«لقد رحلت كل صديقاتي الى تونس، انا اعاني من الملل».وتجهد الامهات والنساء والاخوات على ايجاد ما تيسر للطبخ وتوفير الطعام لرجالهن قبل وبعد المعركة وينظرن اليهم بخوف وهم ينطلقون نحو ساحة المعارك ويتكفلن بالاطفال الذين يلهون ويرددون اناشيد الثورة ويحاكون لعبة الحرب.

وقالت هناء عكرا :«كلما رأيت شقيقي يذهب، اخاف الا يعود ويتملكني الاحباط». اما المقاتلون الشبان فانهم ينتظرون في الجبهة ونفد صبرهم. وقال محمد بلقاسم (23 سنة) في المدرسة التي تأوي وحدته مع رفقائه وهم ممددون يشاهدون التلفاز :«عندما لا نكون في المعركة، نتفقد الذخيرة وننظف الاسلحة وننام، الامر ممل بعض الشيء».