كل من يتأمل المشهد العام في تونس يدرك ان البلاد تعيش حالة من الصراع السياسي الذي عادة ما يؤدي الى انفلات امني. وتعمد اطراف سياسية الى الضغط على الحكومة عبر تحريك الشارع في محاولات جادة الى تحويل المواجهة المفتوحة مع السلطة الى مواجهة مع مقومات الدولة ذاتها، من خلال التشكيك في دور الجيش والطعن في وظيفة رجال الامن واللعب على التركيبة الاجتماعية والمناطقية واثارة مسألة الهوية الوطنية في بعديها القومي والديني.

واذا كانت مرحلة ما بعد ثورة 14 يناير افرزت الى حد الآن أكثر من مئة حزب سياسي، فإن اغلب هذه الاحزاب بدون قواعد شعبية، في وقت ينحصر الصراع الحقيقي على السلطة بين الإسلاميين المدعومين بالمال والتنظيم الجيد وبآلة إعلامية داخلية وخارجية، من جهة، وبين جبهة تقدمية حداثية تتكون من جملة احزاب يتقدمها «الحزب الديمقراطي التقدمي» اضافة الى ما يمثله البورقيبيون وورثة حزب «التجمع الدستوري الديمقراطي» المنحل من ثقل في الشارع التونسي، من جهة اخرى. وفي ظل هذا الواقع يدرك حزب النهضة الإسلامي انه لن يستطيع الحصول على اكثر من 20 في المئة من مقاعد المجلس التأسيسي خلال انتخابات اكتوبر المقبل، ما يعني انه لن يصل الى سدة الحكم إلا عبر تحالفات من الصعب تحقيقها. وتكتشف احزاب اليسار ان حضورها الاعلامي اكبر بكثير من حضورها الشعبي مما يجعلها تخشى من امتحان الانتخابات القادمة وتتمنى تأخيرها الى ما لا نهاية، في حين تأمل احزاب الوسط ان تجتمع حول هدف مهم بالنسبة اليها وهو الحفاظ على صورة تونس الحديثة بنموذجها الاقرب الى الغرب وعلى الحقوق الاجتماعية وخاصة بالنسبة للمرأة وعلى ايجابيات العقود الخمسة الماضية من عمر تونس.

السبسي و«البورقيبيون»

يشعر الاسلاميون واليساريون بأن رئيس الحكومة المؤقتة الباجي قائد السبسي القادم من زمن الرئيس الاسبق الحبيب بورقيبة ومن المدرسة السياسية التونسية المحافظة لا يمكن ان يتعاطف معهم. فهو من البورقيبيين الذين يحملون في نسيجهم الفكري جينات معادية للإسلام السياسي من جهة وللشيوعية والقومية العربية من جهة اخرى. كما ان مقومات الدولة التونسية الحديثة منذ الاستقلال قي العام 1956 بنيت على اسس امنية وايديولوجية وتنظيمية تنبذ التطرف بكل اشكاله وتتحاشى صلابة الموقف وترى في الغرب الليبرالي النموذج الافضل للاقتداء به خاصة في الجانبين الاجتماعي والثقافي. ورغم ان السبسي شخصية وطنية لا يختلف التونسيون على احترامها، الا ان وجوده في مركز القيادة والمبادرة يمثل في نظر مناوئيه مشروع تواصل مع خصوصيات الفكر السياسي التونسي العقلاني الذي اسس له الحبيب بورقيبة عبر ادبيات الحزب الحر الدستوري التونسي والذي حافظت عليه مؤسسات الدولة في عهد زين العابدين بن علي.

تحركات غامضة

ومن يتابع المشهد التونسي الحالي، يلاحظ ان كل ما حدث خلاف بين السبسي وبعض اطياف المعارضة، يقع انفلات امني وتنتظم اعتصامات واضرابات واضطرابات قبلية، وترتفع الاصوات باستبعاد بعض الوزراء او المسؤولين من الحكومة. وهذا ما حدث خلال الاسبوع الماضي سواء من خلال محاولة تنفيذ اعتصام القصبة او الاشتباكات القبلية في مناطق سبيطلة والقصرين وقفصة او من خلال الدعوة الى اقالة مسؤولين حكوميين والخلافات بين رئيس واعضاء الهيئة العليا لتحقيق اهداف الثورة، مع استمرار مقاطعة حزب النهضة للهيئة.