لا تمنع الحرارة المرتفعة والضجيج المعتصمين في ميدان التحرير من مواصلة تحديهم لسلطة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي بدأ يفقد صبره أمام إصرارهم، بالرغم من التنازلات التي يقدمها. ويعتصم هؤلاء المحتجون منذ الجمعة الماضية تحت خيمة كبيرة تتوسط الميدان الذي كان معقل الاحتجاجات التي أطاحت بالرئيس السابق محمد حسني مبارك، فبراير الماضي، تحت وطأة ثورة شعبية غير مسبوقة. وبعد الاستقبال الحار الذي حظي به الجيش حين تولى الحكم في مصر بعد الإطاحة بمبارك أصبح اليوم محط سخط المصريين وهدفاً لاحتجاجاتهم على طريقة إدارته لعملية الانتقال السياسي. ويرى المتظاهر محمد وجيه الذي يحمل معه سجادة لينام عليها كمئات غيره من المعتصمين: «لا ينبغي ان يحكم الجيش ورئيس الوزراء لم يعد مسيطراً على الوضع». ويتابع الشاب الذي بدا عليه الارهاق: «نحن لسنا اغبياء نعلم انهم يريدون ان نعود الى منازلنا لكننا لن نفعل». وخرج الجيش عن صمته منذ بدء الاحتجاجات ليعلن انه لن يتخلى عن دوره في إدارة شؤون البلاد، محذراً من ان «انحراف البعض بالتظاهرات والاحتجاجات عن النهج السلمي يؤدي الى الإضرار بمصالح المواطنين وتعطيل مرافق الدولة وينبئ بأضرار جسيمة بمصالح البلاد العليا».

ثقة وجيش

كما أكد بلهجة صارمة في بيان تلاه على التلفزيون المصري، ان القوات المسلحة «لن تسمح بالقفز على السلطة أو تجاوز الشرعية لأي كان، وسيتم اتخاذ ما يلزم من إجراءات لمجابهة التهديدات التى تحيط بالوطن». لكن نبرة التهديد هذه لم تمنع آلاف المتظاهرين من الخروج بعد البيان في مسيرة من ميدان التحرير الى مقر مجلس الوزراء وترديد هتافات ضد الجيش كان إحداها «الشعب يريد إسقاط مشير الميدان» في اشارة الى رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المشير حسين طنطاوي. ويقول جورج اكرم وهو يمسح عرقه: «لقد فقدنا الثقة بالجيش، فبعد ستة شهور من سقوط مبارك لم يتغير شيء». ويغلق المتظاهرون الميدان الواسع امام حركة السير وتحرص لجان منهم على تفتيش الاشخاص والتحقق من هوياتهم قبل السماح بدخولهم الى الميدان. ودفعت الحرارة التي تجاوزت الأربعين درجة مئوية المتظاهرين الى نصب عشرات الخيام القماشية فوق الميدان وامام المدرجات التي تلقى من عليها الخطابات والحفلات التي يعدونها خلال الليل. ويعتمد هؤلاء الشباب على أعمدة الإنارة في الشارع لتمديد خطوط كهرباء تمكنهم من شحن هواتفهم النقالة واجهزة الحاسوب النقالة، ليتمكنوا من التواصل على «فيس بوك» و«تويتر» لحشد مزيد من المتظاهرين.

باعة وممرضين

ويعطي هذا الحشد الفرصة للباعة المتجولين لزيادة مبيعاتهم وعرض بضائعهم أمام المارة من عصائر باردة وكعك وأعلام مصرية وصور لشهداء الثورة، اضافة الى رسوم كاريكاتيرية لمبارك وأعوانه من شخصيات النظام السابق. وتحرص الممرضة أسماء التي ترتدي نقاباً طويلاً على تفقد المتظاهرين وتقديم الرعاية الصحية لمن اصيب منهم بضربة شمس داخل إحدى العيادات المتنقلة المنتشرة داخل الميدان. ورغم ان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قدم تنازلات ترمي إلى مواجهة هذه الاحتجاجات عبر اعلانه تأجيل الانتخابات لفترة قد تصل الى شهرين وإنهاء خدمة مئات من ضباط الشرطة إلا ان ذلك لا يبدو كافياً بالنسبة للمتظاهرين. ويعلق المتظاهر حسين عبد العزيز على هذه القرارات قائلاً «هذه مسرحية، لا يهمنا ان يؤجلوا الانتخابات، المهم ان تتم صياغة الدستور أولاً». ويتفق معه الشاب نجيب سعيد، الذي يعتبر ان «هذه الاصلاحات غير كافية والأولوية لمحاكمة الضباط الذين قتلو المتظاهرين». وتثير المحاكمات العسكرية المتواصلة للمدنيين سخط المصريين، ويعد إلغاؤها من المطالب الرئيسية للمتظاهرين، إضافة الى بعض الخلافات على الجدول الزمني لإجراء الانتخابات ووضع الدستور. ويقول الحاج محمد طاهر، الذي يحتمي مع زوجته وطفيله تحت شجرة من اشعة الشمس الحارقة: «يوجد في بيتي تكييف واستطيع ان اعود إليه لأرتاح من هذا الوضع لكني سأظل هنا لأن مصر هنا».