لا تزال نشوة استقلال جنوب السودان تسيطر على المواطنين في مدينة جوبا وبقية مدن الجنوب المختلفة وسط تعطل لعمل عدد من المرافق العامة بما فيها المدارس والجامعات.. فيما شرعت دولة الشمال في تدشين الجمهورية الثانية وهي مثقلة بالكثير من الآثار العسكرية والقلق الاقتصادي، ومخاوف شعبية من فرض ضرائب جديدة.

وتتواصل في الخرطوم مغادرة الجنوبيين من شمال السودان باتجاه جنوبه اضطرارا منهم على هذه الخطوة بسبب تسريحهم من أماكن عملهم لأنهم أصبحوا مواطنين لدولة أجنبية وعليهم اتخاذ الإجراءات الكفيلة بذلك لتفادي الوقوع في اي مشاكل قانونية تتعلق بالإقامة. وبدأت الجهات المعنية بالفعل هنا في الخرطوم في إجراءات لحصر بقية الجنوبيين إلى حين انتهاء مدة التسعة شهور المقررة لتوفيق أوضاعهم أو المغادرة. ورصدت «البيان» تحركات لعدد من الجنوبيين الذين يتخذون من شارع الجمهورية (اكبر الشوارع الرئيسية في الخرطوم) مكانا لعرض وبيع بضائعهم في سبيل توفيق أوضاعهم للاستقرار في السودان فيما فضل آخرون إكمال إجراءات مغادرتهم الخرطوم أملاً في أن تصبح الأوضاع في دولتهم الوليدة «الأفضل».

وغادر نحو 300 ألف جنوبي السودان بالفعل للجنوب ، فيما لا يزال قرابة مليون آخرين وسط مخاوف جدية من أن تواجههم الكثير من المشاكل القانونية.

إذن، الجمهورية الثانية تبدو وهي مثقلة بالكثير من آثار المرحلة السابقة فثمة حرب تدور في دارفور، وحرب ثانية تندلع في جنوب كردفان الحدودية مع جنوب السودان بجانب حالة الاحتقان التي تعيشها النيل الأزرق فضلا عن ركام المشكلات العالقة بين شمال السودان وجنوبه والأزمة الاقتصادية المترتبة على الانفصال وانخفاض سعر العملة السودانية عقب إعلان استقلال جنوب السودان مباشرة.

لذلك تشكل هذه الأزمة هاجسا يؤرق المواطنين والدولة معا من اجل هذا كله حوى خطاب الرئيس عمر حسن البشير أمام البرلمان يوم الثلاثاء مؤشرات لمواجهة هذه الأزمة عبر خطة اسعافية قال ان مدتها ثلاث سنوات لمعالجة النقص في الايرادات بجانب اجراءات تقشفية تشمل خفض الانفاق العام وزيادة الصادرات ومضاعفة الايرادات وتشجيع الاستثمار الوطني والاجنبي كما بشر بأن التعديل الذي سيجري على الموازنة لن يتضمن أي رسوم او ضرائب جديدة، لكن ذلك لم يمنع المواطنون من القلق من هذا الخيار.

 

انشغال بالحرب

ان انشغال السودان بالحرب فى جنوب كردفان عطل التوجه نحو انجاز مصالحة وطنية شاملة، لذلك فان عهد الجمهورية الثانية يشهد تباطؤاً في التقدم صوب الحكومة القومية التي بشر بها حزب البشير.

وفيما رفض حزب الأمة القومي المعارض الذي يترأسه الصادق المهدي مجددا المشاركة في حكومة ذات قاعدة عريضة ، فانه لم يتضح حتى الآن موقف الحزب الاتحادي الديمقراطى الذي يقوده محمد عثمان الميرغني، هذا الرفض أو التحفظ على المشاركة لم يمنع الحزب الحاكم من الاستمرار في ترتيباته لتكوين تلك الحكومة والتي يتوقع الإعلان عنها بعد ثلاثة أسابيع لتكون الأداة التنفيذية للجمهورية الثانية. ويتعلق الأمر أيضاً بالدستور الجديد الذي يجري الحزب الحاكم منذ حين حوارا بشأنه مع الحزب الاتحادي الديمقراطى وكشف عن الاتجاه لتكوين لجنة قومية لإعداده.

 

علاقة متوترة

أما على صعيد العلاقة مع الحكومة الوليدة بجنوب السودان والتي تمثل أولوية في سياسة الجمهورية الثانية الخارجية، فعلى الرغم من تبادل إعلان النوايا الطيبة بين الشمال والجنوب بمناسبة الانفصال إلا أن لغة الحرب ومفرداتها (لم تختلف نهائيا).

وعبّر المؤتمر الوطني الحاكم عن امتعاضه من إشارة رئيس جمهورية جنوب السودان سلفاكير في خطابه في الاحتفال بالاستقلال لدارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان باعتباره تدخلا في شؤون السودان ، وهي إشارة قد تحمل تهديدا مبطنا للسودان الذي لا يزال محل اتهام بدعم الجماعات المتمردة والمعارضة في جنوب السودان، لذلك يرى العديد من المراقبين أن احتمالات الحرب بين البلدين قائمة في ظل تعثر الوصول الى اتفاق بشأن القضايا المعلقة.

اذا فالجمهورية الثانية للسودان تولد في جو من العزلة العالمية. ففي مقابل اهتمام المجتمع الدولي بميلاد دولة جنوب السودان، فان تجاهلا كبيرا أحاط بميلاد السودان القديم الجديد، وهو مثقل بالأزمات والمشاكل التي تعده بمزيد من التمزق.

ويشترط المجتمع الدولي فك العزلة عن السودان ومساعدته في التغلب على مشكلاته وعلى رأسها مسألة الدين الخارجي (بجملة من الشروط والإصلاحات الداخلية) تشمل تحقيق السلام في دارفور وحل المشكلات العالقة مع الجنوب وكذلك الوضع في جنوب كردفان والنيل الأزرق علاوة عن التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وغيرها ، وهي قضايا ستشكل اختبارا جديا لقدرة الجمهورية الثانية على حلها وتجاوزها بما يكفل تقدم السودان نحو الخروج من أزماته.