احتفلت حشود غفيرة من السودانيين، سابقاً، عندما تجاوزت عقارب الساعة منتصف الليل باستقلال الدولة الإفريقية الـ 54، دولة جنوب السودان. فكانت الأهازيج، والدموع، وقرعت أجراس الكنائس.. في مقابل مشاعر على النقيض لأناس أصبحوا فجأة مطالبين بالرحيل من بلدهم إلى بلدهم «الجديد».
كان يوم أمس أسوأ يوم في تاريخ الشعب السوداني؛ شماله وجنوبه، في نظر الكثيرين، ولكنه كان أيضا يوما سعيدا في نظر الانفصاليين من الشمال والجنوب.
«البيان» رصدت في الخرطوم مشاعر الجنوبيين والشماليين الانفصاليين والوحدويين، فكانت المفاجأة أن الانفصاليين أنفسهم كانت تغمرهم مشاعر الحزن على الفراق والوداع، بعد أن عاشوا كشعب واحد منذ أن نشأت دولة السودان الحديث.
أنجلينا مبيور، فتاة جنوبية التقتها «البيان» وسألتها: «ما شعورك وأنت تشهدين اليوم ميلاد دولتك الجديدة؟». حدقت ملياً وانهمرت دمعة من عينيها وقالت بصوت خافت وبلغة عربية فصحى: «نعم، لقد تم إعلان دولتنا الجديدة، ولكنني أصدقك القول: الحزن يخيم على نفسي.. وما كنت أظن بأن الجنوب سينفصل عن الشمال».
أما حسن محمد علي (طالب شمالي)، فقال: «نحن نصارع في حزن وألم وداع إخوتنا الجنوبيين، نشتاق بشدة إلى الأصدقاء الذين رحلوا إلى الجنوب، وأفتقدهم في مشاركات الحصص والفسحة وكل اللحظات الجميلة التي كانت تجمعنا، مقاعدهم في الفصل كانت شاغرة، ندخل قاعة الدراسة وفي حلوقنا غصة وحسرة».
ولا يزال هناك الآلاف من الجنوبيين في الشمال الذين أسقطت عنهم أول من أمس الجنسية السودانية، يعيشون مشاعر قاسية أحيانا، ومتناقضة أحيانا اخرى.. حزن وفرح. قلق من مصير مجهول. فهؤلاء فقدوا وظائفهم، وستقلهم البواخر والطائرات خلال الأيام المقبلة الى وطنهم الجديد، بينهم ضباط كبار في الجيش وفي الشرطة السودانيين، بكوا في حفلات وداعهم، رغم أن دموع العسكريين «استثنائية ونادرة»، فبكى معهم الكثير ممن حضروا تلك الحفلات الوداعية التي كانت أشبه بمراسيم العزاء.
اللواء شرطة سمير خميس سليمان، وهو أقدم ضابط جنوبي مسلم في الشرطة السودانية، قال، بعد أن خاطب حفل الوداع في مقر الشرطة في الخرطوم: «عملت بالشرطة لمدة 33 عاماً، ولم أشعر يوما بأنني غير سوداني.. عرفت أنني لست سودانيا من خلال تسلمي لورقة إعفائي من الخدمة».
ومن جانبه، قال جيمس أتيم: «أنا سعيد باستقلال الجنوب عن الشمال، لقد تعرضنا للظلم في دولة الشمال، وأعتقد بأن قيام الدولة الجديدة سيحقق أحلامنا وطموحاتنا.. إنه يوم تاريخي بالنسبة لشعب جنوب السودان ولإفريقيا والعالم، لدينا نفط كثير وزراعة ومعادن ومياه وفيرة، دولتنا ستكون أغنى دولة في إفريقيا إذا أحسن السياسيون إدارتها».
ورأت مارغريت شول؛ وهي جنوبية تنتمي إلى الحركة الشعبية، أنها في غاية السعادة لإعلان استقلال الجنوب، مشيرة إلى أنها قدمت ثلاثة من أبنائها ماتوا في الحرب لنيل الاستقلال.
صيحات ابتهاج
وكانت أفراح الاستقلال انطلقت مع انتصاف ليل السبت الأحد، حيث قرعت أجراس الكنائس في الجنوب لتلهب الأجواء الاحتفالية الجموع المحتشدة التي أطلقت صيحات الابتهاج والترحيب باليوم الأول من ولادة دولتهم الجديدة.
ومع بزوغ الشمس تدفق الآلاف على موقع الاحتفال. وعمّت مظاهر الابتهاج جوبا عاصمة الدولة الجديدة، حيث سار جنود ومدنيون بينهم مجموعات من النساء في وسط المدينة تحت وهج شمس حارقة وقد ارتدى بعضهم ملابس تقليدية، فيما عبر البعض الآخر عن فرحته بالرقص على وقع الطبول.
صحف الخرطوم تتشح بالسواد
توشحت معظم الصحف السودانية الصادرة أمس بالسواد، فيما تصدرت عناوينها عبارات الوداع لجنوب السودان.
وجاء المانشيت الرئيسي لصحيفة «الاهرام اليوم» بعنوان: «اليوم.. الشمال بلا جنوب». واختارت صحيفة «التيار» على صدر صفحاتها العنوان: «جوبا تطوي علم السودان»، فيما صدرت صحيفة «الوطن» صفحاتها بعنوان: «يوم حزين.. ولكنه ليس نهاية الدنيا».
واكتفت صحيفة «ألوان» بكلمة وحيدة في مانشيتها الرئيسي: «وداعاً».
أما صحيفة «الانتباهة» الداعية بقوة للانفصال فجاءت مغايرة، حيث صدر عددها بعنوان: «انه يوم الفرح الأكبر». أما صحيفة «الأحداث» فدعت في افتتاحيتها للمضي باتجاه المستقبل الأفضل وعدم جعل اليوم للبكاء والعويل.
ومن جانبها قالت صحيفة «الحرة» في افتتاحيتها: «حزينون لانشطار السودان ولكنه حزن يتلاشى اذا كان الثمن هو ازدهار المصالح وانتهاء زمن الحرب».
وكتبت صحيفة «التيار» في افتتاحيتها إن علم السودان يطوى ويسلم إلى دولة السودان لتخرج بذات الطريقة التي خرج بها المستعمر البريطاني من الخرطوم في صبيحة الأول من يناير 1956.
ودعت الصحيفة لعدم البكاء على اللبن المسكوب او الدم المسفوح بالنظر بعين العبرة والاعتبار للجنوب الجديد في ولاية جنوب كردفان المضطربة وعدم وقوع حرب الجنوب القديم مرة اخرى.
وكانت السلطات السودانية استبقت إعلان دولة الجنوب بإيقاف ست صحف يومية لان ناشريها او ملاكها ينحدرون من دولة جنوب السودان الذين أسقطت عنهم الجنسية السودانية بموجب قرار أصدره مجلس الوزراء السوداني الخميس.
