بأصوات 69 نائباً ومعارضة 57 نائباً، نالت حكومة لبنان الثقة البرلمانيّة وبات رئيسها نجيب ميقاتي بدءاً من يوم أمس مكتمل الشرعية الدستورية، ليباشر رحلة الألف ميل نحو السعي الى كسب ثقة الناس، في وقت أكد ميقاتي متابعة حكومته لمسار المحكمة الدولية. وهذا هو التحدّي الأصعب أمامه وأمام حكومته الثلاثينيّة، وذلك في ظلّ المقولة السائدة اليوم «أكثريتان لا تصنعان حكماً»، فالأكثرية الجديدة تتلمّس الطريق لتحكم، وهي انتظرت انتهاء جلسات الثقة لتباشر عملها، والأكثرية السابقة انتظرت انتهاء جلسات الثقة لتباشر معارضتها، والتي كانت بدأتها عملياً يوم الأحد الفائت في مؤتمر البريستول.
وجرى التصويت على الثقة، والتي جاءت مضمونة للحكومة بأصوات الاستشارات النيابية التي كانت سمّت ميقاتي للحكومة، وهي 68 نائباً، أضيف إليهم النائب ميشال المر، في مقابل حجب 57 نائباً، بسبب غياب الرئيس سعد الحريري عن الجلسة لتواجده خارج لبنان، وامتناع نائب الجماعة الإسلامية عماد الحوت عن التصويت.
وكانت جلسات مناقشة البيان الوزاري لحكومة الرئيس ميقاتي، والتي انعقدت على مدى الأيام الثلاثة الفائتة، «ضجّت» بالسجالات المتنقّلة، حيث عمد عدد من نواب الأكثرية الجديدة الى التشريح التفصيلي للمرحلة السابقة، ودفعوا المعارضة (14 آذار) نحو موقع دفاعي من خلال إثارة ملفات حسّاسة تتعلّق بالسياسات المالية والاقتصادية وتهريب المحكمة خارج المؤسّسات الدستورية والموقف من سلاح المقاومة، فيما واصل نواب 14 آذار من جهتهم العزف التقليدي على وتَرَي: سلاح حزب الله والمحكمة الدولية وقرارها الاتهامي، مع التركيز على محاولة استفزاز وجدان الرئيس ميقاتي.
لكن ما ساعد على احتواء محاولات حرف المناقشات عن مسارها تمثل في خبرة رئيس مجلس النواب نبيه بري في إدارة اللعبة البرلمانية وقدرته على امتصاص التوترات المفتعلة، تارة عبر القوة الناعمة وطوراً عبر اللهجة الحاسمة، الأمر الذي أبقى الأمور تحت السيطرة.
وكان حزب الله وحلفاؤه انسحبوا من حكومة الوحدة الوطنية التي كان يرأسها سعد الحريري، على خلفية التباين حول المحكمة الدولية المكلفة محاكمة قتلة رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري والد سعد الحريري، ما أدى الى سقوطها في 12 يناير. وسبق التصويت على الثقة، الذي انسحب خلاله نواب المعارضة، كلمة لنجيب ميقاتي، رد فيها على ما أثاره نواب المعارضة على البيان الوزاري خلال المداخلات النيابية التي استمرت على مدى ثلاثة أيام.
وقال ميقاتي، رداً على الانتقادات بإدراج عبارة «احترام القرارات الدولية»، بدلاً من «الالتزام بالقرارات الدولية»، إن الحكومة «إذ تؤكد متابعتها لمسار المحكمة الخاصة بلبنان، فهي تنطلق من أن الحكم استمرارية، وهي عازمة بالتالي على التعاون في هذا الخصوص».
وقال: «ليس نجيب ميقاتي من يفرط ويتنكر لدماء أي شهيد سقط دفاعاً عن لبنان، فكيف الحال إذا كانت دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي هو قامة شامخة في لبنان، وهو ليس شهيد طائفة أو مذهب أو تيار سياسي، بل شهيد كل لبنان».
ولفت إلى أن حكومته «لم تتغاض، كما قال البعض، عن الانقسام الحاد الذي يشهده بلدنا راهناً، بل أكدت انها ستعمل على التخفيف من حدته وصولاً إلى زواله، معتبرة أن احتكامها إلى الدستور والتزامها استكمال تنفيذ اتفاق الطائف تنفيذاً كاملاً هو المدخل لإعادة الثقة والألفة والتضامن بين اللبنانيين، وفي ذلك ما يحصّن الوحدة الوطنية والعيش الواحد».
وأضاف أن حكومته لم تتجاهل «موضوع السلاح أو تتجاوز القلق الذي يحدثه وجوده في المدن والأحياء السكنية»، في إشارة إلى سلاح حزب الله.
حدث وحديث
قال النائب المعارض جورج عدوان من حزب القوات اللبنانية :«لا يمكن ان نكون انتقائيين مع القرارات الدولية، فيعجبنا قرار دولي ولا يعجبنا قرار آخر»، مضيفا انه من «اجل العبور الى الدولة يجب ان يدخل السلاح خارج الدولة الى الدولة ويدخل قراره معه الى الدولة».
النائب المعارض سامي الجميل من حزب الكتائب اللبنانية أكد أن الحكومة السابقة أسقطت لأنها كانت متمسكة بالمحكمة الدولية، وهذا هو السبب. الحكومة لا تتحمل مسؤولياتها وقررت ان تتخطى العدالة حفاظا على السلم الاهلي.
قال النائب نهاد المشنوق من كتلة المستقبل برئاسة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري ان السلاح الذي هيمن على حياتنا الوطنية والسياسية (...) هو العنوان الكبير للمأزق الوطني في لبنان. وأضاف : الحمد لله ان رفيق الحريري استشهد قبل ان يسمع احدا يقرأ بيان اغتياله مرة ثانية».
تأخذ المعارضة على الحكومة الجديدة اعتمادها «فقرة ملتبسة» في ما يتعلق بالمحكمة الدولية، وكلامها عن «احترام» القرارات الدولية بدلا من «التزام». ونص البيان الوزاري على ان الحكومة :«انطلاقا من احترامها للقرارات الدولية تؤكد حرصها على جلاء الحقيقة وتبيانها في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه».
كلمة وجدانية
اعتلت النائب بهية الحريري المنبر في الجلسة الخامسة الختاميّة وألقت كلمة سياسية وجدانية، كانت بوزن كلمتها الشهيرة في مجلس النواب العام 2005 والتي دفعت الرئيس عمر كرامي يومها إلى الاستقالة. وكرّرت بهية قول رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري «ما حدا أكبر من بلده»، ودافعت عن المحكمة الخاصة بجريمة اغتياله قبل أن تحجب ثقتها عن الحكومة، قائلة: «كنت أتمنّى لو أن هذه الحكومة جاءت لتطلب الثقة، لكن لا ثقة». كذلك، كانت الكلمة النيابية الأخيرة في مناقشات البيان الوزاري، قبل التصويت على الثقة، للرئيس النائب فؤاد السنيورة، فكانت أكثر تعبيراً عن مواقف المعارضة والتعاطي مع الحكومة، وتوجّهات مرحلة ما بعد الثقة، خصوصاً وأنه تحدث باسم كتلة «المستقبل».
