لا يملك ليتيو من حطام الدنيا سوى فرشتين واناء طهو واليسير من الملابس ودجاجة وحيدة يعود بها الى موطنه بعد سنوات قضاها لاجئا من الحرب. فالأسرة التي تتألف من ستة أفراد، والتي عاشت في الشمال لسنوات، عادت شأنها شأن الالاف، قبل ايام من انشقاق اكبر بلد افريقي من حيث المساحة الى بلدين لتنبثق عن السودان احدث دولة في العالم، الا وهي جمهورية السودان الجنوبي.

ويقول ايمانويل ليتيو، الاب لخمسة اطفال: «انا سعيد بعودتي لشعبي».

وعندما وصل الى مرسى النهر عند عاصمة الجنوب جوبا، أضاف: «غير ان الامور ليست سهلة هنا اذ ليس لدينا بيت ولا مأوى نذهب اليه»»، بينما يصيح اطفاله تحت احدى الاشجار قبل ان يستقلوا جميعا شاحنة تذهب بهم الى حيث يرغبون في الوصول الى اقصى الشرق بالبلد الوليد المعدم.

واستبد التعب بالاسرة بعد رحلة شاقة استمرت اربعة عشر يوما جابت بهم مستنقعات يستشري فيها البعوض منذ انطلقوا من العاصمة الشمالية الخرطوم عبر النيل الابيض في قارب مفتوح لنقل البضائع. وينضم ايمانويل الى اكثر من 300 الف نسمة عادوا منذ اكتوبر في اطار موجة نزوح جماعي ضخمة منذ العام 2005 تشمل 2,5 مليون نسمة في طريقهم الى العودة لبلادهم التي مزقتها الحرب والتي كانوا قد نزحوا منها قبلا خلال الحرب التي دامت عقدين بين الشمال والجنوب. ويعتقد ان الحرب مع حكومة الخرطوم قضت على زهاء مليوني نسمة. ومازال الجنوب بانتظار نزوح الاف اخرين اليه بعد ان طردت حكومة الخرطوم الجنوبيين من وظائفهم بينما هدد مسؤولو الشمال من بقي فيه.

ويقول ألفرد تومبي: «قيل للعاملين ان ينسوا وظائفهم»، اذ كان يعمل في البناء في الخرطوم. ويقدر البعض ان ما يناهز مليون جنوبي مازالوا في الشمال، ولا يعرف احد كم من هؤلاء سيبقى --اذ ان 40 الفا سيفقدون وظائفهم في القطاع العام الشمالي وحده. ولكن الموقف ليس مظلما. فرغم ان غالبية هؤلاء يتحدثون العربية، وليست الانجليزية اللغة الرسمية للجنوب، الا ان بمقدورهم امداد البلد الناشئ بمهارات مطلوبة. ومع ذلك يكافح الجنوب من اجل استيعاب تدفق العائدين.

حياة صعبة

وتقول سارا لاكو إن «الحياة في الخرطوم لم تكن سهلة، فقد كنا نعامل وكأننا مخلوقات ادنى، ولكن على الاقل كان لدينا كهرباء»، بينما يبدو الاحمرار على عيون اطفالها بسبب عدوى التقطوها خلال الرحلة المضنية جنوبا.

وتضيف سارا: «لكننا نعود الى هنا وليس لدينا شيء»، اذ كانت تتكسب الرزق بما تبيعه من الخمر التي تصنعها بنفسها وهي التجارة التي يحظرها الشمال الاسلامي.

ولاشك في صعوبة المستقبل الذي يواجهه العائدون الذين سيشرعون في بناء بلد وليد.

ومع كل هذا يقدم العائدون بارقة امل الى الجنوب الجديد. إذ وفدت اعداد ضخمة من اثيوبيا وكينيا واوغندا المجاورة ومن بلدان اخرى بعيدة كبريطانيا والولايات المتحدة واستراليا.

ويقول جوك مدوت جوك الذي شغل منصب استاذ للتاريخ في جامعة لويولا ميريمونت بكاليفورنيا: «أمامنا الكثير من التحديات خلفها ارث عقود من الحرب، والتوقعات تبلغ عنان السماء».

ويضيف جوك: «نحن هنا لكي نعمل من اجل مستقبل افضل » اذ يعاون جوك الان وزارة الثقافة في الجنوب. وربما تحتاج البلاد الذين نجحوا في الخارج خلال سنوات الحرب الطويلة اكثر من غيرهم، وذلك لما جنوه من علم ومهارات خاصة.

وتقول سارا مبارازا وهي ممرضة تلقت تدريبها في اوغندا «الامور صعبة ولكننا عدنا لنجعل من جنوب السودان بلدا ناجحا بحق». وتضيف «طريق المليون ميل يبدأ بخطوة، وربما نحن الان عند النقطة صفر ولكننا بدأنا الرحلة».