تهدهد نيانات كير بين ذراعيها طفلتها الباكية التي تنشقت أنفاسها الاولى قبل ايام من ولادة أحدث بلد في افريقيا والعالم سينفصل بعد مخاض طويل عن السودان.

فالطفلة الصغيرة، التي لم تسم بعد، ستكبر في بلد مستقل يدعى جمهورية السودان الجنوبي، والطريق شاق امام كلتيهما.

فمع نوال الجنوب استقلاله الكامل عن حكم الشمال في التاسع من يوليو، سينضم هذا البلد الغني بالنفط والفقير من الناحية التنموية الى مصاف بلدان معدمة كأفغانستان والصومال في ذيل القائمة العالمية من حيث مستويات الصحة والرعاية الاجتماعية. لقد تمكنت نيانات كير فعلا من تحقيق معجزة ببقائها على قيد الحياة، ففي جنوب السودان يموت من النساء عدد اكبر خلال الحمل ومخاض الولادة عنه في اي بقعة اخرى في العالم.

أعلى معدل

ويقول الكسندر ديميتي الطبيب الذي يعمل مع صندوق الأمم المتحدة للسكان: «لا يجب ان تموت امرأة وهي تدفع بحياة جديدة الى النور، ولكن مع الاسف في بلدي جنوب السودان يوجد اعلى معدل لوفيات الامهات في العالم».

ويضيف ديميتي الذي يعاون وزارة الصحة على تدريب القابلات: «بل الأسوأ هو ان النساء يمتن بسبب مضاعفات لدى الطب القدرة على تجنبها». فبعد حرب استمرت عقوداً مع الشمال، والتي بالكاد انتهت عام 2005، لم يعد لدى جنوب السودان سوى ثماني قابلات، اي بمعدل قابلة لكل مليون نسمة. واليوم تضاعف العدد، ولكنه مازال لا يتجاوز المئة قابلة.

وتحسين الصحة لن يكون سوى عقبة بين عقبات عدة على الجنوب تجاوزها. فالمنطقة بين الاقل تنمية في افريقيا وتواجه تحديات جساما مع مولد امة جديدة، تبدأ بضرورة تحلي سياسييها وعسكرييها بالنزاهة وتنتهي ببناء المدارس والطرق والمستشفيات.

ويقول جو فيني الذي يترأس برنامج الأمم المتحدة للتنمية في الجنوب إن «ثمة توقعات ضخمة، وتحديات اضخم». ومازال الوضع اليوم غير مستقر، اذ قضى 1800 شخص ونزح 150 ألفا جراء العنف منذ بداية 2011، بحسب تقديرات الامم المتحدة. كما ان معدلات الامية في الجنوب فلكية، فقرابة 90٪ من النساء لا يستطعن القراءة والكتابة. والتنمية مازال امامها مشوار طويل في منطقة تربو مساحتها عن مساحة اسبانيا والبرتغال معا، وطرقها ان وجدت غير معبدة، بل دروب موحلة خلال الشهور المطيرة الممتدة.

في غضون ذلك، يتوقع محللون ان يكون هذا العام هو الاعنف منذ نهاية الحرب قبل ست سنوات، اذ يخشون مما هو آت.

ويقول مدير الشؤون الانسانية باللجنة الدولية للانقاذ جيري مارتون: «نحن في شهر عسل الآن.. ولكن ما يقلقنا هو ما جرى في اخر مرة استقل بلد في افريقيا وكان اريتريا العام 1993. في اول الامر سارت الامور حسنا ثم بعد اربعة اعوام اندلعت الحرب».

ومازالت رشادة الحكم امرا مهما، فالسلطة تتركز في ايدي الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تشكل قوامها من المتمردين السابقين الذين امسكوا زمام الامور.

وقد وصفت مجموعات معارضة مسودة دستور انتقالي مقترح بأنها دكتاتورية.

ويقول متمردون على الحركة الشعبية في الجنوب انهم يقاتلون للانقلاب على الحكومة الجديدة، وهم المتمردون الذين يتهمهم المسؤولون الجنوبيون بأنهم ليسوا سوى اصابع داخلية لنظام الخرطوم يسعى من خلالها للسيطرة على حقول النفط بمحاذاة الحدود مع الجنوب.

كادر

هاجس الأمن

لايزال الامن قضية رئيسية، حيث تتهم جماعات حقوق الانسان افرادا من الجيش الجنوبي بارتكاب مجازر وعمليات اغتصاب مع انتقاله من جماعة متمردين الى قوة نظامية.

فقد حذّر تقرير دولي من «النزوع نحو الاستبداد» في الجنوب مع تركز السلطة والمال في جوبا وابتلاع الامن لنصيب الاسد من الموازنة. وترفض الحكومة تلك التقارير، وإن اعترفت بوجود مخالفات اثناء الانتقال الصعب من اسلوب حرب العصابات الى نظام حزب حاكم.