ساهمت ثورة الخامس والعشرين من يناير في إحداث جملة من التطورات الداخلية بمصر، فضلاً عن جملة من التغيرات في علاقات مصر الخارجية، وبشكل خاص علاقاتها بإسرائيل، التي تشهد ما يشبه بالحرب الكلامية هذه الأيام، على خلفية قيام القاهرة بعدد من الخطوات اعتبرتها تل أبيب تغيراً في سياسة مصر الخارجية وتهديداً لاتفاقية السلام الموقعة بين البلدين، بدءاً من القيام بفتح معبر رفح أمام الفلسطينيين، مروراً بتبني اتفاق المصالحة بين «فتح» و«حماس»، وحتى اشتعال حرب الجواسيس بين الطرفين، بعد أن قامت السلطات المصرية بفتح باب التحقيق مع الجاسوس الإسرائيلي «إيلان» على الرغم من مساعي تل أبيب من أجل حل المشكلة، وتأكيدات أقارب الشاب أنه لم يكن يعمل بالموساد الإسرائيلي، فضلاً عن تصاعد قضية تصدير الغاز لإسرائيل التي تشتعل الآن بقوة بعد أن قامت مصر برفع سعر الغاز المصدر للأردن، ملوحة بأن الحال نفسه سوف يكون لباقي الدول التي تستورد الغاز من مصر ومنها إسرائيل نفسها، الأمر الذي جعل السلطات الإسرائيلية تهدد باللجوء إلى الحكيم الدولي لمقاضاة مصر.

ويؤكد مراقبون أن هناك أربعة سيناريوهات تدور حولها العلاقة بين القاهرة وتل أبيب خلال الفترة المقبلة، من ضمنها السيناريو الأخطر، والذي دعا إليه المتشدد اليميني حاييم بن بتساح، في تصريحات صحافية له، عندما قال «يجب على الحكومة الإسرائيلية بزعامة بنيامين نتانياهو إلغاء اتفاقية كامب ديفيد ووقف أي مظهر من مظاهر السلام مع مصر».

ويتواصل الخطاب الإسرائيلي المتشدد تجاه مصر، بتصريح النائب العمالي الإسرائيلي بنيامين بن إليعازر للصحف الإسرائيلية بأن اعتقال المواطن الإسرائيلي «إيلان جرابيل» في القاهرة بحجة قيامه بالتجسس لصالح إسرائيل هو «عمل يليق بالهواة»، هدفه إثبات السلطات المصرية للشعب في مصر بأنها لا تزال تعمل على ضمان أمن الدولة.

على صعيد متصل ذكر موقع «نيوز وان» الإخباري الإسرائيلي، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أبلغ الرئيس الأميركي باراك أوباما بأن إسرائيل لن تستطيع ضبط نفسها إلى ما لا نهاية، وأنها قد تلجأ إلى حلول وصفها بـ«الدراماتيكية» منها إعادة احتلال سيناء إذا اقتضت الضرورة ذلك.

وقال نتانياهو إن السلام مع مصر ليس كنزاً استراتيجياً، ولكنه شوكة في حلق إسرائيل، فمصر بعد الثورة تقود اتفاق المصالحة بين الفلسطينيين وتفتح معبر رفح أمامهم ومازالت الأنفاق تنقل السلاح إلى حركة حماس في غزة.

وحسب المراقبين فإن كل تلك التصريحات تعكس قلقاً واضحاً لدى الشارع الإسرائيلي من خطر «مصر الثورة» أو مصر ما بعد حسني مبارك، والذي كانوا يعتبره الإسرائيليون حليفاً لهم وداعماً لسياسة السلام في المنطقة.

السيناريو الثاني

أما السيناريو الثاني، فيبتعد عن فكرة إلغاء معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، إذ يناقش فكرة إمكانية تعديل المعاهدة فقط من أجل مصلحة الطرفين، وضمان أمن واستقرار المنطقة بأكملها، وهو الذي دعا إليه أكثر من ناشط سياسي مصري، أبرزهم أيمن نور، المرشح المحتمل لانتخابات الرئاسة في مصر، ومؤسس حزب الغد، الذي أكد التزامه بمعاهدة كامب ديفيد في حال فوزه في الانتخابات، إلا أنه في الوقت نفسه سوف يعمل على إجراء تعديلات فيها تتماشى مع مصر الثورة، والتي تغيرت تماماً عن مصر مبارك، وأن أبرز تلك البنود التي من الواجب تعديلها تأتي في مجال التسليح العسكري.

 

سيناريو الحرب

بدوره يلمح مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقاً، د. محمد البرادعي، بالسيناريو الثالث، في حواره مع الإعلامي عمرو الليثي، وهو السيناريو الأخطر الذي يخشاه المصريون والاسرائيليون أيضاً، وهو سيناريو «الحرب»، إذ أكد أنه سوف يتخذ قراراً بفتح المعابر مع قطاع غزة، وأنه في حال حدوث أي هجوم مستقبلي على غزة في حال فوزه بالرئاسة سوف يبحث طرق تنفيذ اتفاقية الدفاع العربي المشترك؛ كي تقف الدول العربية في مواجهة العدوان الإسرائيلي.

أما السيناريو الرابع، فهو، بحسب المراقبين، أمر معلق بيد الرئيس القادم لمصر، وهو سيناريو استمرار السلام واتفاقية كامب ديفيد بين القاهرة وتل أبيب، وهو نفس السيناريو الذي يدعمه السفير محمد بسيوني، سفير مصر السابق بإسرائيل، إذ أكد لـ«البيان» أن مصلحة مصر في الحفاظ على معاهدة السلام طالما أن إسرائيل ملتزمة بها، مؤكداً أن مصر تحافظ على المعاهدات والاتفاقيات، واصفاً معاهدة كامب ديفيد بأنها إطار عام للسلام في الشرق الأوسط، وليس معاهدة سلام منفردة بين مصر وإسرائيل.