بقاء الوضع على الأرض في دائرة المراوحة، بعد ثلاثة أشهر على فرض الحظر الجوي عملياً الحملة الجوية ضدّ ليبيا، أثار الجدل من جديد في واشنطن حول جدارة وحيثيات المشاركة الأميركية في العملية. لكن هذه المرة ليس كما حصل في البداية، عندما دار النقاش يومئذ بين محبّذ ولو من دون حماس وبين متحفظ أو محاذر لكن من غير اعتراض قوي. خاصة في الكونغرس. الآن يصل الانقسام إلى أقصى النقيضين: فريق يدفع باتجاه قطع الدور الأميركي كلياً. وآخر يدعو إلى تزخيمه من خلال ممارسته بقوة ضاربة وحاسمة. وإدارة أوباما بين الاثنين: لا هي راغبة بالتصعيد، خشية من كلفته وتداعياته. ولا قادرة على الاستمرار في الحالة الراهنة، فيما هي غارقة بهموم أفغانستان ومشتقاتها من جهة، وتستعد للحملة الانتخابية الواقفة على الأبواب من جهة ثانية. في الأيام الأخيرة شهد الكونغرس وبالذات مجلس النواب، شبه حملة على سياسة الرئيس إزاء الأزمة الليبية. واللافت أن معظم الناقمين هم من الحزب الجمهوري، الذي سبق ودعم الحظر الجوي والمساهمة فيه. من الذرائع، أنه تجاهل الكونغرس ولم يسع إلى أكثر من إبلاغه والتشاور العابر معه, فضلاً عن أنه لا توجد مصلحة حيوية لأميركا في ليبيا. والبعض يشير إلى أن العمليات رتّبت على الخزينة مبالغ لا تقوى على تحملها، في وضعها الراهن. علما بأن الكلفة بالكاد بلغت المليار دولار حتى الآن. فالطيران الأميركي لا يقوم غير بمهمات استطلاعية تجسسية، مع تقديم بعض الذخائر لقوات «الناتو» الجوية. وتمّ تقديم مشروع قرار، من المتوقع التصويت ربما هذا الأسبوع، لقطع تمويل المشاركة الأميركية وإجبار واشنطن على الانسحاب من الحملة. أو على الأقل لتقليص هذه المشاركة إلى أدنى الحدود. قد يمرّ القرار بمجلس النواب. لكن ليس في مجلس الشيوخ. والموضوع سياسي انتخابي أساساً. مع ذلك، هو يضع أوباما في الدفاع ويفرض عليه شرح وتبرير سياسة، لا غاياتها واضحة ولا مسيرتها واعدة. على الأقل حتى الآن. في المقابل، يقوم فريق وازن من المحافظين الجدد ومعظمهم من طاقم الرئيس بوش، بهجوم في الاتجاه المعاكس. 38 من رموزهم، معظمهم مسؤولون سابقوتن وناشطين حاليين في مطبخ صناعة الرأي, رفعوا كتاباً إلى الرئيس أوباما يحثونه على تصعيد الدور الأميركي في العمليات ضد ليبيا. يأخذون على إدارته قولها بأنها«تقود هذه العمليات من الخلف». اعتراضهم أن أميركا ليس هذا مكانها، بل في الواجهة. ويذكر أن بعض هذه الرموز له أجندة واسعة في طول المنطقة وعرضها، لإعادة رسم كثير من حدودها. وبعضها الآخر يتحرك في هذا الاتجاه، بدافع منافسة الأوروبيين على ليبيا ما بعد القذافي.
إدارة الرئيس اوباما تعلل دعمها لحلفاء أميركا الأوروبيين، بأنه مبادلة على سبيل المعاملة بالمثل. فهم وقفوا مع واشنطن في أفغانستان وعلى أميركا مساندتهم في ليبيا، حيث لهم هناك مصالح حيوية. لكن هذه السياسة بدأت تبهت في ضوء الدوامة التي غرق فيها الوضع. دوامة، تخشى دوائر أميركية من انعكاساتها السلبية لجهة أنها بدأت تفضح ضعف الناتو ومعه الولايات المتحدة،«التي باتت في خطر فقدان تفوقها على المسرح الدولي»، كما قال وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس في واحدة من مقابلاته الأخيرة. فضلاً عن خطرها الآخر الذي يتمثل في تعميق واقع التفكك في ليبيا.