هل انفجرت في وجه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في طرابلس، أم أن الأحداث التي جرت في عاصمة الشمال الأسبوع الماضي كانت أكبر من مجرد الردّ على رئيس الحكومة؟.. لا أحد يستطيع تقديم إجابة حاسمة حتى الآن، لكن النتيجة أن أحداث طرابلس شكّلت التحدّي الأكبر في وجه حكومة الرئيس ميقاتي، وأعادت خلط الأوراق في المدينة، وذكّرت الجميع بأن الملف الأمني وملف الاستقرار يمثلان أولوية في المرحلة الراهنة.

فما جرى في طرابلس يوم الجمعة الماضي لم يكن مفاجئاً، لا لأهل السياسة ولا الأمن، حيث دُبّرت الجريمة التي ذهب ضحيتها أكثر من عشرين قتيلاً وجريحاً، في وضح النهار وكان القرار سياسياً بامتياز.. فالشعارات المذهبية المتشنّجة تارة تحت عناوين «الانقسام السياسي الداخلي» وطوراً تحت عنوان «مساندة الشعب السوري» كان لا بدّ لها من أن تجيّش الشارع وترفع نسبة الشحن في النفوس لتنفجر دفعة واحدة.

أما الرئيس ميقاتي فتحدث عن «أهداف خبيثة»، وأشار إلى أنه طلب من الجيش والقوى الأمنية «الضرب بيد من حديد» لوقف ما جرى، مشددا على أن «الأمن خط أحمر»، وأن بلاده لن تقبل بعودة مشاهد الحرب ثانية. وقال إن اللعب بالأمن سيؤدّي الى حرق أيدي كل من تسوّل له نفسه أن يلجأ الى خيار كهذا، وأن من يظن نفسه أقوى من الدولة والقانون فهو مخطئ.

تسلح سياسي

بدوره، تسلّح قهوجي بالقرار السياسي الواضح لرئيس الحكومة ووزير الدفاع، وأعطى أوامره لوحدات الجيش كافة «علينا إسكات كل مصادر إطلاق النار سريعاً»، وبالفعل دفع الجيش بقوات إضافية الى أرض الاشتباك وسقط له شهيد وعدد من الجرحى، إلا أن الردّ كان عنيفاً ومفاجئاً، وحسناً تصرّف الرئيس ميقاتي وحسناً تصرّف الحلفاء ومعهم المؤسّسة العسكرية، ولكن ماذا بعد؟.

بحسب مصادر سياسية مطّلعة فإن الجيش سيطر على أرض الواقع، ولن يكون بمقدور أحد أن «يسرح ويمرح» برعاية أي جهة سياسية وأمنية، وبعض الردّ على هكذا حوادث أمنية سيكون بـ«ضبط الحدود اللبنانية ـ السورية» بعدما تراكمت الوقائع الدامغة المتصلة بدور بعض الشخصيات اللبنانية، ومنها من يملك حصانات من أنواع مختلفة على خطّ النيل من العلاقات بين البلدين (لبنان وسوريا)، وكذلك محاولة النيل من دور المؤسّسة العسكرية وتضحياتها.

نبرة مذهبية

في المقابل وفي سياق أي حوادث مماثلة يُراقب الجيش اللبناني حدّة التشنّج السياسي المشحون «بنبرة عالية من المذهبية» بكثير من الانتباه والقلق اللذين لا يخفيهما قائده قهوجي في كل مناسبة، على وفرة الإصرار الذي يبديه على مواجهة أي محاولة لزرع قلاقل أو بثّ الفوضى، إلا أن الجيش يجد نفسه معنياً بجانب واحد فقط من هذا الجدل هو الأمن الذي يقتضي أن يكون في منأى عن أية تداعيات.

دور الجيش

في خضم ذلك، تحدّد مصادر عسكرية رفيعة المستوى لـ«البيان» دور الجيش يتحدد تبعاً لعوامل عدة، على رأسها الصراع الناشب في لبنان بين قوى (8 و14 آذار) الأمر الذي يمثل انعكاس صراع مشابه في المنطقة، إلا أن لبنان لم يتمكن من النأي بنفسه عنه. كذلك المناخات السياسية المتشنّجة تجعل الأمن أكثر حساسية وتضع صعوبات في طريق ضمان الجيش أمن المواطنين، هذا بالإضافة إلى الاطمئنان إلى قدرات الجيش وهي تواكب حال الاستنفار التي يسبّبها التشنّج السياسي، حيث يوجد في بيروت 4 آلاف عسكري من قوى الاحتياط للتدخّل عند الحاجة.

وأشارت المصادر العسكرية إلى أن وجود السلاح بين أيدي المواطنين وفي بيوتهم يشكل أزمة «مزمنة»، رغم أنه سلاح خفيف، إلا أن من شأن أي استفزاز أو حادث استدراج الناس بسلاحهم الخفيف إلى الشارع، لكن ذلك لا يعني على الإطلاق أن الوضع منفلت.

التلويح بانقسام الجيش

ومن بين العوامل التي حددتها المصادر العسكرية، والتي تحدد مهام وطبيعة دور الجيش «التلويح بانقسامه»، وهو كما تصفه المصادر «استخدام الورقة الخطأ في التوقيت الخطأ»، ذلك أن ردّ قائد الجيش كان حاسماً على الفرقاء الذين أدخلوا الجيش في نزاعاتهم السياسية، كالقول إنه سينقسم عند حصول أي انفجار أمني، علماً أن الوضع اليوم مختلف كلياً عن العام 1976، عندما انقسم الجيش، حينذاك تدخل السياسيون في شؤون الجيش وأبقوه بعيداً عن مهمته عاما ونصف العام.

وشددت المصادر على أن الوضع الآن كذلك، فلا الجيش على الحياد عندما يتعلق الأمر بسلامة المواطنين وحفظ النظام والاستقرار، ولا أحد من السياسيين يسعه التلاعب به والتأثير عليه.

العامل قبل الأخير المؤثر في دور الجيش اللبناني وفقا للمصادر العسكرية أن الحديث عن مواجهة تبدأ من مدينة طرابلس (شمال لبنان) لا يعدو كونه جزءاً من حرب سياسية تتوسّل الشائعات التي هي «أخطر من الحرب الحقيقية».

آخر هذه العوامل، أنه «لا وجود لأي إشارة من أي فريق سنّي أو شيعي، إلى مآخذ على أداء الجيش ودوره الوطني، فالجميع ملتفّون حوله؛ رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والفرقاء الباقون الذين يعوّلون على هذا الدور، وكذلك المقاومة.