دعا الرئيس السوري بشار الأسد، في خطابه الذي ترقبته أوساط دولية ومحلية، إلى «حوار وطني» قد يفضي الى دستور جديد ويخرج سوريا من الازمة التي تواجهها، لكنه تمسك أيضاً بفرضية المؤامرة وشدد على أن لا حل مع حمل السلاح..

فيما اعتبر معارضوه ان كلمته «غير كافية» ولا «ترقى الى مستوى الأزمة»، ودعوا إلى تظاهرات احتجاجية ضده. وقال الأسد، في الكلمة التي ألقاها في جامعة دمشق ووجهها إلى الشعب السوري أمس، «هناك العديد من الأفكار التي سيتم مناقشتها خلال المرحلة المقبلة من خلال الحوار الوطني والتي تتعلق بإمكانية إجراء تعديل لبعض مواد الدستور»، من بينها المادة الثامنة التي تنص على قيادة حزب البعث للدولة، أو «تغيير الدستور بالكامل».

وشدد على ان «المرحلة المقبلة هي مرحلة تحويل سوريا إلى ورشة بناء لتعويض الزمن والأضرار ولرأب الصدع وبلسمة الجراح»، مشيراً إلى ان «الحوار الوطني المزمع عقده خلال المرحلة القادمة لا يعني نخباً محددة ولا حوار المعارضة مع الموالاة أو السلطة وليس محصورا بالسياسة بل هو حوار كل أطياف الشعب حول كل شؤون الوطن». وأوضح أنه «سيكون هناك مجلس شعب جديد للبلاد في شهر أغسطس المقبل»، مشيرا الى ان «لجنة الحوار ستعقد اجتماعا قريبا تدعى اليه مئة شخصية». مشيرا إلى أنه سيدرس إمكانية توسيع العفو العام الذي أصدره سابقا، الا انه اكد انه «لا يوجد حل سياسي مع من يحمل السلاح».

 

مؤامرة

وأضاف الرئيس السوري ان «المؤامرة» ضد سوريا تزيدها «عزة ومناعة»، مؤكدا ان سوريا في «لحظة فاصلة» بعد «ايام صعبة». وبعد ان تحدث عن وجود «مؤامرة بالتأكيد»، قال الاسد ان «المؤامرات كالجراثيم لا يمكن ابادتها (...) انما يجب ان نقوي المناعة في اجسادنا». واضاف «لا اعتقد ان سوريا مرت بمراحل لم تكن فيها هدفا لمؤامرات مختلفة قبل او بعد الاستقلال».

كما عبر الاسد، الذي استقبل بتصفيق حار، عن تعازيه «لعائلات الشهداء» الذين سقطوا في الاحتجاجات، مؤكدا ان «الشهداء الذين سقطوا خسارة لاهلهم وللوطن ولي شخصيا ايضا». واكد انه ستتم محاسبة «كل من اراق الدماء» او «تسبب في اراقة دماء»، بينما تشهد سوريا منذ ثلاثة اشهر حركة احتجاجية لا سابق لها سقط فيها اكثر من 1300 قتيل حسب منظمات حقوقية. واضاف ان «الضرر الحاصل اصاب الجميع والمحاسبة حق للدولة كما هو حق للأفراد».

 

اقتصاد جديد

من جهة اخرى، دعا الاسد الى اعادة الثقة في الاقتصاد السوري لمنع انهياره، مؤكدا ان هناك «خطر انهيار» يتهدده. واضاف «لا بد من البحث عن نظام (اقتصادي) جديد يحقق العدالة بين الفقير والغني وبين الريف والمدينة».

 

عودة اللاجئين

كما دعا الأسد، في كلمته، السكان الذين فروا من جسر الشغور وقراها الى تركيا للعودة الى بيوتهم، مؤكدا ان الجيش السوري موجود هناك «من اجل خدمتهم». وقال «نؤكد على دعوة الحكومة السورية الى اهالي جسر الشغور وقراها.. ادعو كل شخص او عائلة هاجرت من مدينتها الى العودة». واضاف ان «هناك من يوحي بان الدولة ستنتقم هذا غير صحيح فالجيش موجود من اجل خدمتهم».

 

رفض

وبعد انتهاء كلمة الأسد، سارع المحتجون الى الخروج للتظاهر في مدن عدة سورية، حسبما اعلن ناشطون. كما اعلنت «لجان التنسيق المحلية»، التي تضم ابرز ناشطي الحركة الاحتجاجية، استمرار «الثورة» حتى تغيير النظام.

وقالت لجان التنسيق انها «ترى في الخطاب تكريسا للازمة من قبل النظام الذي يتمترس وراء الانكار والتعامي عن رؤية الواقع الجديد الذي فرضته ثورة السوريين المستمرة حتى تحقيق مطالبها». واعتبرت ان دعوة الحوار التي وردت في الخطاب «مجرد محاولة لكسب الوقت على حساب دماء السوريين وتضحياتهم»، معلنة رفضها «اي حوار لا يكون الهدف منه طي صفحة النظام الحالي بصورة سلمية والتحول نحو سوريا جديدة، دولة ديمقراطية حرة، ولمواطنيها كافة». من جانبها، اعتبرت الناشطة السورية سهير الاتاسي ان خطاب الاسد «لا يرقى الى مستوى الازمة» وسيؤدي الى تأجيج التظاهرات ضد نظامه. اما المعارض حسن عبد العظيم فقال ان «الخطاب لم يكن كافيا». كما اعتبر الحقوقي انور البني ان «الخطاب جاء مخيبا للآمال مثل ما سبقه».

 

تظاهرات

وفور انتهاء كلمة الاسد، نظمت تظاهرات مناهضة للنظام في مدن عدة في سوريا. وسار المتظاهرون في مدينة حلب الجامعية (شمال) وسراقب وكفر نبل في محافظة ادلب (شمال غرب) وحمص (وسط). وأكد مدير المرصد السوري لحقوق الانسان رامي عبدالرحمن ان «المتظاهرين انتقدوا الكلمة التي وصفتهم بانهم مخربون او متطرفون»، مؤكدين انهم «يطالبون بالحرية والكرامة». واكد ناشطون آخرون تنظيم تظاهرات في حمص وحلب وان تظاهرات تنظم ايضا في حماه (شمال) واللاذقية (غرب).

أوروبا تُعدّ لتشديد العقوبات.. وتركيا تمهل الأسد أسبوعاً

أعلن الاتحاد الأوروبي انه يعد عقوبات إضافية على النظام السوري على خلفية العنف ضد المتظاهرين المناهضين له، مؤكداً على ضرورة تطبيق الإصلاحات المعلنة.. فيما أمهلت تركيا الرئيس بشار الأسد أسبوعاً لوقف نزيف الدماء، معلنة أنه لا يمكنها تقديم غطاء للنظام السوري. تزامناً مع تأكيد بريطانيا على بدء اصلاحات لإحلال الديمقراطية او «الانسحاب» من السلطة.

وأصدر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، بعد اجتماعهم في لوكسمبورغ أمس، بياناً قالوا فيه إن الاتحاد «ينشط لتوسيع الإجراءات التقييدية من خلال إضافة المزيد من الأسماء، بهدف تحقيق تغيير أساسي في السياسة التي تنتهجها القيادة السورية بدون تأخير». وأشاروا إلى أن «العقوبات تستهدف أفراداً وهيئات مسؤولة أو مرتبطة بالقمع العنيف ضد السكان المدنيين».

وكان الاتحاد الأوروبي سبق وفرض عقوبات على النظام السوري شملت تجميد أرصدة ومنع من السفر على عدد من المسؤولين والهيئات بينهم الرئيس بشار الأسد، وقال الاتحاد إنه مستمر في الجهود الدبلوماسية التي يبذلها مع شركائه في المجتمع الدولي لضمان أن «يتحمل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مسؤولياته في ما يتعلق بالوضع في سوريا وعواقبه الإقليمية، ويدين العنف المستمر ويحث السلطات السورية على تلبية التطلعات الشرعية للشعب».

واعتبر الاتحاد أن «القمع العنيف في سوريا يشكل تهديداً للاستقرار الداخلي والإقليمي»، وأدان «بأشد لهجة أعمال العنف التي تزداد سوءًا». وقال إن «مصداقية الرئيس الأسد وقيادته ترتبطان بتطبيق الإصلاحات التي أعلن عنها بنفسه من دون أن يتخذ أي خطوة منذ ذلك الوقت لتطبيقها».

وأعرب عن استعداد الاتحاد لتقديم المساعدات الإنسانية، مثنياً على الجهود التي تبذلها تركيا لاستضافة اللاجئين، كما طالب بالسماح لوسائل الإعلام في تغطية الأحداث.

وتواجه الدول الغربية في مجلس الأمن، معارضة من روسيا والصين اللتين ترفضان اصدار قرار ضد سوريا.

 

دعوة بريطانية

من جانبه، دعا وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ الاثنين الرئيس الاسد الى بدء اصلاحات لاحلال الديموقراطية في بلاده او «الانسحاب» من السلطة.

واعرب هيغ، الذي كان يتحدث على هامش الاجتماع الاوروبي، عن الامل في ان تتمكن تركيا من استخدام نفوذها لنقل رسالة الى اعضاء النظام السوري «بأنهم يفقدون شرعيتهم وانه على الاسد ان يجري اصلاحات او ان يتنحى». واضاف «آمل في ان يكونوا واضحين وصريحين في هذا الخصوص» مع السلطات السورية. وتابع ان «بريطانيا تتوقع ان يستجيب (الاسد) للمطالب المشروعة» للشعب السوري وان «يفرج عن سجناء الرأي ويسمح بالاتصال بشبكة الانترنت ويحترم حرية الاعلام».

وفي السياق، طالب وزير الخارجية الألماني جيدو فيسترفيله بممارسة مزيد من الضغوط السياسية على الأسد، وقال «يتعين مواصلة الحل السياسي من خلال العقوبات».

وبعبارات واضحة غير معتادة، طالب فيسترفيله روسيا بعدم عرقلة القرار المخطط من مجلس الأمن بشأن سوريا. وقال «نرى أنه لا يليق أن يتم اتخاذ ذلك كمبرر لعدم التصرف الدولي بشكل مشترك تجاه سوريا».

بدوره، اعتبر وزير الخارجية الفرنسي الان جوبيه ان الرئيس السوري بشار الاسد بلغ «نقطة اللاعودة»، مشككا بان يكون باستطاعته تغيير سمعته بعد القمع «المريع» الذي مارسه على شعبه.

 

مهلة تركية

في موازاة ذلك، أعلن المستشار السياسي للرئيس التركي أرشاد هرمزلو ان أمام النظام في دمشق أسبوعاً لوقف نزف الدماء وأنه لا يمكن تقديم أي غطاء للقيادة السورية بعد ذلك.

وقال هرمزلو لقناة «العربية» أمس إن «القيادة التركية أشارت للقيادة السورية بضرورة إجراء إصلاحات تتماشى مع متطلبات الشعب السوري».

وأضاف هرمزلو، في تصريحاته التي سبقت خطاب الأسد، «ننتظر ما سيأتي في خطاب الرئيس السوري بشار الأسد، وننتظر أن يكون ثمة تجاوب مع هذه المطالب في فترة قصيرة لا تتجاوز أسبوعاً».

وقال انه «لا يمكن تقديم أي غطاء للقيادة في سوريا بعد ذلك في هذا الموضوع لأنه يبدأ حينها التخوف من بدء التدخلات الخارجية».

إلا أن هرمزلو قال في وقت لاحق إن الأحداث في سوريا هي شأن داخلي سوري، مجدداً التزام بلاده بأي قرار دولي قد يتّخذ حول سوريا. وأشار في حديث لوكالة أنباء «الأناضول» الى ان «تركيا لا تصمم منازل الآخرين. ما يحصل في سوريا هو مسألة داخلية»، لافتاً إلى ان تركيا تعتقد ان «معالجة مشاكل أي بلد تحتاج إلى حلول محلية».

وكان رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان طالب الرئيس السوري بوقف العنف في سوريا، ووضع جدول زمني لتنفيذ الإصلاحات التي دعا الى تطبيقها.