بعد انتظار دام 141 يوماً، وبعدما طال مخاضها شهراً تلو آخر، وسقطت مواعيد ولادتها الواحد تلو الآخر، كُتب للحكومة اللبنانية أن تبصر النور، أمس، وأن تحمل صورة رئيسها نجيب ميقاتي، وهوية الأكثرية الجديدة، في غياب وجوه قوى 14 آذار عن تشكيلتها، لتحلّ في المرتبة الـ85، منذ إعلان دولة لبنان في العام 1926، وفي المرتبة الثالثة في عهد رئيس الجمهورية الحالي ميشال سليمان, إلا أن هذه الولادة كانت متعثرة منذ البداية حيث كانت الصدمة بإعلان الوزير الدرزي طلال ارسلان استقالته منها.

وفيما يمثل الصدمة للتشكيلة الحكومي الجديد، اعلن الزعيم الدرزي طلال ارسلان الذي عين في منصب وزيراً للدولة، استقالته عقب تشكيل الحكومة بسويعات، بسبب عدم رضاه عن منصبه، ولكن من غير المتوقع ان تؤدي استقالته إلى اسقاط الحكومة.

وقال ارسلان في مؤتمر صحافي بعد ساعات على إعلان الحكومة »لا استطيع ان اشارك في حكومة يقول نجيب ميقاتي فيها ان الدروز لا يحق لهم ان يطالبوا بوزارة سيادية

 

ثوابت

وفور إعلان مراسم التشكيل، حدّد الرئيس ميقاتي عناوين حكومته بأنها «ستكون تحت ثوابت التمسّك باتفاق الطائف وتحرير الأرض وإعادة حوار هادئ، وبناء الدولة تحت سقف المؤسّسة الدستورية»، معرباً عن ثقته بأن هذه الثوابت «ستحفظ لبنان واستقلاله، وتحفظ العيش المشترك».

وشدّد ميقاتي على أن حكومته ستكون «حكومة كل لبنان، وستعمل من أجل جميع اللبنانيين»، و«لا تفريق بين من سيوليها ثقته ومن سيحجبها». وقال: «لا تسليم بمنطق المنتصر والمهزوم، وكل ذلك لن يكون من شيمنا لأننا نشأنا على احترام قيم العدالة والتسامح والمحبة»، داعياً لـ«عدم الحكم على النوايا والأشخاص، بل على الأداء».

وبعد إطلاقه شعار الحكومة الجديد «كلنا للوطن، كلنا للعمل»، توجّه ميقاتي بالشكر للبنانيين على تحمّلهم كل ما رافق التشكيل من صعوبات، وقال «تمكّنا، بالتعاون مع جميع المعنيين، من تذليلها ووصلنا الى هذه التشكيلة التي نتمنّى أن تحظى بثقتكم».

تطابق واختلاف

وجاءت حكومة ميقاتي «الثلاثينية» مطابقة بنسبة كبيرة للتركيبة التي كان تمّ الاتفاق عليها عشية ولادتها، في ما عدا تعديلات طفيفة طرأت عليها، بإدخال أحمد كرامي وفيصل عمر كرامي معاً الى التشكيلة، ما جعل مدينة طرابلس في عملية التشكيل، وما أدّى الى وجود 7 وزراء سنّة مقابل 5 وزراء شيعة في هذه التشكيلة خلافاً للبروتوكول المتّبع في تشكيل حكومات لبنان، إضافة الى تسمية مستشار رئيس الجمهورية ناظم الخوري بدلاً من وسام بارودي صهر سليمان، علماً أن التشكيلة لم يُلحظ في تركيبتها وجود أي سيدة.

وتجدر الإشارة الى أن الحكومة الجديدة تضمّ في مكوّناتها وزيرين ونائبين حزبيين من «حزب الله» (الحاج حسن وفنيش)، وذلك للمرة الثانية في تاريخ مشاركة هذا الحزب في الحكومات المتعاقبة.

 

تساؤل

الى ذلك، وبعدما شاب مرحلة التأليف ما شابها من تناقضات وتجاذبات، أصبح السؤال عما إذا كان تأليف حكومة الرئيس ميقاتي سيؤدّي الى الإطاحة بكل العقبات السياسية وغير السياسية التي منعت تشكيل الحكومة لما يزيد على أربعة اشهر ونصف الشهر..؟

أم أن تلك العقبات ستنتقل أوتوماتيكياً للحكومة بعد تأليفها، وتحديداً على مستوى البيان الوزاري وأولويات العمل الحكومي المقبل، ومن ثم الممارسة الحكومية..؟

ويقول مراقبون، يفترض أن يشكل التأليف «حافزاً» لبناء منظومة تؤمن نجاح الحكومة الجديدة، وبالتالي مصلحة كل مكّون من مكونات الحكومة، ولو كل على حدة. والأهم أن هذه الحكومة الجديدة هي، بالنسبة الى رئيس الجمهورية وميقاتي وبقية مكونات الأكثرية الجديدة، فرصة للدخول الى انتخابات العام 2013 على حصان إنجازات كبرى تترجم في صناديق الاقتراع.

فرئيس الجمهورية ميشال سليمان، والذي أتت الحكومة على باب النصف الثاني من ولايته الرئاسية، استطاع أن يحفظ حصته وتوازن موقعه في ظل الأكثرية الجديدة. لذا، فإن تشكيل حكومة ميقاتي، قد يؤمّن له فرصة لتحقيق بعض النجاحات للبناء عليها، سواء في الانتخابات النيابية صيف العام 2013 أو في مرحلة ما بعد الولاية الرئاسية في مايو 2014.

أما الرئيس ميقاتي، فإنه يعيش عقدة العام 2005 ويصبّ كل جهده منذ ذلك الحين كي لا تتكرّر تلك التجربة الانتقالية القصيرة، ما يعني أن تشكيل الحكومة فرصة كبرى ليؤكّد من خلالها أنه ليس رئيس حكومة موقتة أو انتقالية، بل هو رئيس حكومة «كامل المواصفات».

في موازاة ذلك، يلتقي رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط على نقاط كثيرة بينهما، إذ إنهما يشتركان في هدف إنهاء الاصطفافات السياسية «الآذارية»، كما أن تشكل الحكومة الجديدة فرصة لكليهما للسعي لإنتاج مواقع سياسية جديدة خارج معادلة الاصطفاف القائم منذ ست سنوات. فضلاً عن أنهما يشكلان منظومة أمان غير معلنة لنجيب ميقاتي بوصفه الشريك الثالث غير المعلن للاثنين معاً ولكل واحد منهما.