استوقف تصريح الوزيرة كلينتون أول من أمس بشأن الوضع المتفاقم في اليمن، المراقبين من ناحيتين: أنه بدا كرسالة صريحة إلى الرئيس صالح، مثل تلك التي توجهت إلى الرئيس مبارك عشية تنحيه. وثانياً، أن الإدارة بدعوتها الواضحة هذه، حسمت على ما يبدو لصالح الخيار الذي كان سبق أن طرحه نائب الرئيس جو بايدن والقاضي بالاستغناء عن التعاون مع صنعاء وعن التواجد الأميركي فوق الأراضي اليمنية لمطاردة عناصر «القاعدة» المتمركزة في هذه الساحة؛ واستبداله بعمليات جوية وصاروخية كالمعمول بها في باكستان. تطور يؤشر إلى أن الوضع مرشح للمزيد من التأزم. كما يؤشر، في ضوء التركيز الإعلامي المتزايد والضغوط السياسية المتصاعدة في واشنطن، إلى عدم استبعاد وربما إلى ترجيح أن تخاطب إدارة أوباما دمشق بنفس اللغة، في حال بقي التدهور هناك على حاله.

«ليس بوسعنا أن نتوقع نهاية للنزاع في اليمن أن ينتهي إلا إذا زاح الرئيس صالح وحكومته من الطريق ليفسح المجال أمام انطلاق عملية انتقالية باتجاه الإصلاح السياسي والاقتصادي«، قالت الوزيرة. خلا كلامها من أي شرط أو دعوة للإصلاح. وكأن ذلك صار بحكم الأمر الذي فاته قطار الزمن. جاء كطبعة منقحة عن عبارة « على الرئيس أن يرحل الآن»، التي ردّدتها واشنطن في الحالتين المصرية والليبية. ليست جديدة في مضمونها. سبق وتبلّغت صنعاء، منذ أسابيع ومن دون ضجّة، أن على الرئيس صالح المغادرة؛ من خلال صيغة يجري التوافق بشأنها وبما يحفظ له ماء الوجه والحصانة. الجديد هذه المرة، كان في إعلان الإدارة لموقفها من غير مواربة. أسباب عديدة أوصلت الأمور إلى هذا الحدّ. فالأزمة طالت. أفق الحلول أمامها مسدود. استنكاف الرئيس صالح، ثلاث مرات في غضون أيام، عن التوقيع على صيغة مخرج حظت بقبوله كما بموافقة كافة الأطراف؛ أكّد على مثل هذا الانسداد. ثم ما بدأ واستمر لأسابيع على شكل تظاهرات سلمية، أخذ منحى الاقتتال المسلح في الآونة الأخيرة. دخول القبائل على الخط بقوة وتحول الصراع إلى تناحر دموي، أثار الخشية من انزلاق البلد بسرعة نحو حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس. ارتفعت وتيرة المخاوف الأميركية من تفكك اليمن وسقوط أجزاء منه بيد «القاعدة» وأنصارها. وقوع زنجيبار بيد المتشددين، رأت فيه واشنطن مؤشراً قوياً في هذا الاتجاه.

التفسيرات لهذه النقلة في العلاقة مع الرئيس اليمني، تكاد تجمع على أن إدارة اوباما أرادت التأكيد بأن غطاء التغاضي قد رفع؛ وأن ورقة التعاون معه لملاحقة «القاعدة»، التي تمادى في التعويل عليها للبقاء في مكانه؛ قد انتهى مفعولها. المطروح كبديل، خيار بايدن: نسخ تجربة ملاحقة طالبان والقاعدة في باكستان. رصد المواقع والتحركات من خلال التجسس الجوي والالكتروني وضرب الأهداف بالأسلحة الصاروخية البعيدة المدى أو بواسطة طائرات «الدرون» العاملة بدون طيار. غضّ النظر الذي مارسته واشنطن، ساهم في توريط صنعاء ومراهنتها على الغطاء الأميركي بحسبانه وكأنه بلا حدود. فاتها أخذ العبرة من الدرس المصري. ولا يستبعد بعض خبراء المنطقة من أن يتكرر السيناريو مع دمشق، خصوصاً وأن الأيام الأخيرة شهدت المزيد من الضغوط السياسية والتركيز الإعلامي في واشنطن، بهذا الاتجاه.