ينصب جل الغضب للمعارضة في ليبيا على رجل واحد وهو القذافي، ورغم أن أحد أفراد قوات الزعيم الليبي قام بقتل شقيق جمال الفارسي؛ لكنه لا يبدي كراهية أو رغبة في الانتقام؛ في سلوك يتناقض مع المرارة التي تميز معظم الحروب الاهلية.

وفي شرق ليبيا الذي تهيمن عليه المعارضة هناك غياب ملحوظ لمشاعر العداء العميقة التي غذت الصراعات الداخلية في العراق أو ايرلندا الشمالية أو رواندا أو الجزائر المجاورة.

وينصب الغضب كله تقريبا على رجل واحد هو القذافي، حيث يقول الفارسي الذي قتل شقيقه فتحي في فبراير الماضي في بداية الثورة ضد الحكم المطلق للقذافي «من الذي أكرهه، القذافي فقط.. لا أريد محاكمة الجنود الليبيين، اذا كنت مجندا فعليك أن تطيع الاوامر».

وفي شرق ليبيا على الاقل؛ يصعب أن تجد أدلة على مظاهر الوحشية التي ميزت أغلب الصراعات الاهلية في الفترة الاخيرة ، خاصة جثث ملقاة تحمل آثار تشويه وتعذيب.

تجانس شعبي

ومن الاسباب التي يوردها سكان بنغازي عاصمة المعارضين، تجانس الشعب الليبي، فجميع الليبيين من العرب السنة على عكس الحال في العراق مثلا، حيث غذى عنف المتشددين في الأعوام التي أعقبت الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في العام 2003 الانقسامات بين السنة والشيعة والاكراد والمسيحيين، أما خط الانقسام الرئيسي في المجتمع الليبي هو الانتماءات القبلية، وتلاعب القذافي بالتركيبات القبلية في البلاد عن طريق رعاية بعض القبائل وترويع البعض الآخر لتعزيز نفوذه.

ويتوقع بعض المحللين أن يزيد الصراع القبلي من زعزعة الاستقرار في ليبيا؛ في حال سقوط حكم القذافي، حيث مازال الأخير يبسط نفوذه على أغلب مناطق الغرب والعاصمة طرابلس، على الرغم من الضغوط المتزايدة من غارات حلف شمال الاطلسي. إلا أن المعارضة حرصت على ان تنأى بنفسها عن القبلية ولا يريد الفارسي عنفا قبليا باسم شقيقه.

نبرة تصالحية

وقال «اذا حاكمنا جميع جنود القذافي ستحدث حرب أهلية حقيقية، كل رجل وراؤه قبيلة، يجب ان تكون هناك مصالحة». ويصعب معرفة مدى انتشار أفكار الفارسي، لكن نبرته التصالحية يرددها الكثيرون في الشرق، ومنهم قيادات للمعارضة التي عرض مجلسها الوطني الانتقالي عفوا على أنصار القذافي المنشقين عليه.

وفي بنغازي يدفن القتلى من جنود القذافي ومقاتلي المعارضة معا في مقبرة واحدة وتقام صلاة الجنازة على أرواح الجميع وفقا لما ذكره عاملون في المقابر والمشرحة.

وقال غيث حسين حافر القبور «لا نقول هؤلاء رجال القذافي فلنلقي بهم بعيدا، كلهم شهداء ويدفنون مع شهدائنا». واضاف «هؤلاء الناس كانوا ينفذون الاوامر، مشكلتنا مع من أصدر الاوامر». ويقول حسين وآخرون ان «الذين قاتلوا رجال المعارضة ربما كانوا مجبرين على ذلك او مخدوعين بدعاية القذافي».

تطوع للدفاع

وفي محكمة بنغازي تقول محامية ليبية انها «ستتطوع للدفاع عن المقبوض عليهم من أتباع القذافي دون مقابل». واضافت «بعضهم ربما يصدق فعلا أن المعارضين من تنظيم القاعدة

او انهم يشنون حملة صليبية من الخارج تتمثل في غارات حلف شمال الاطلسي».

وتابعت «بعض هؤلاء يعتقدون انهم يحاربون من أجل ليبيا واي شخص يقتل وهو يحارب من أجل ليبيا شهيد»، غير أن الشهامة التي يعامل بها البعض الموالين للقذافي في شرق البلاد نادرا ما تمتد الى مرتزقة افارقة؛ تقول المعارضة ان القذافي استأجرهم لقمع الانتفاضة على حكمه المستمر منذ أربعة عقود.

وبعد المعارك، يعرض المعارضون عادة بطاقات هوية أشخاص من تشاد والنيجر ومالي وموريتانيا وغيرها من الدول الافريقية. ولا يبدي المعارضون الذين يرجعون أفعال قوات القذافي لعدم الفهم تسامحا مماثلا تجاه المرتزقة.

لكن هارون سالم العامل بالمقابر، والذي دفن جثث رجال اتهموا بأنهم مرتزقة، لا يحملهم الذنب وقام بتغسيلهم والصلاة عليهم مثل غيرهم، وقال «احيانا نجد أموالا مزيفة أو قديمة في جيوبهم، القذافي خدعهم مثلما خدعنا على مدى 41 عاما، فليرحمهم الله.